//Put this in the section //Vbout Automation

مساعٍ عربيّة بين القوّات وسوريا – ثائر غندور – الأخبار

ما سرّ التبدّل في خطاب رئيس الهيئة التنفيذيّة في القوّات اللبنانيّة سمير جعجع تجاه سوريا؟ إذ من الملاحظ أنّه منذ الفترة التي تلت الانتخابات النيابيّة التي جرت في حزيران 2009 بدأت حدّة الخطاب القوّاتي تخف تدريجاً، وهو الذي دعم زيارة الرئيس سعد الحريري لدمشق، في مقابل المحافظة على حدّة الخطاب تجاه حزب الله، لا بل رفعها. فقال الرجل في معرض ردّه على الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله إن «حزب الله هو من يكشف فعلياً لبنان أمام إسرائيل، وهو من أزال لبنان من موقعه التاريخي، ومن موقعه الوسطي المحايد عندما نضعه رأس حربة. ومن يكشف لبنان أمام العدو هو من يأخذ لبنان إلى الموقع الآخر من دون إرادة السلطة والحكومة والمجلس النيابي».

وجعجع اتخذ من تأكيد رئيس الجمهوريّة ميشال سليمان تبنيه معادلة «الشعب، الجيش، المقاومة» سبباً لشنّ هجوم على سليمان واعتباره تحوّل إلى طرف، ما دفع سليمان إلى التأكيد أمام زواره أنه لا يقول شيئاً جديداً، بل يُكرّر ما ورد في خطاب قسمه وفي البيان الوزاري للحكومة الحاليّة. ولفت رئيس الجمهوريّة زوّاره إلى أن هذا الهجوم سببه أن جعجع بدأ يشعر بأن قاعدة رئيس الجمهوريّة بدأت تكبر.

في العودة إلى السؤال الأساسي، ما الذي يدفع سمير جعجع نحو هذا التحوّل؟ منذ أن بدأ تطبيع العلاقة بين الرئيس سعد الحريري وسوريا بمبادرة عربيّة، سعى جعجع عبر موفدين عرب رفيعي المستوى زاروا سوريا إلى فتح قنوات بينه وبين دمشق.

تحدّث الزوّار العرب أمام مستقبليهم السوريين بثقة عن قدرتهم على جعل جعجع يزور دمشق إذا ما قبلت سوريا. كان جواب السوريين واضحاً في هذا المجال، وهو الرفض المطلق مع الكثير من الأسباب. وقد وضعت سوريا حلفاءها اللبنانيين في هذا المناخ.

استمرّت الوساطات العربيّة تنتقل من دولة إلى أخرى، بحسب انتقال الرعاية العربيّة للقوّات اللبنانيّة، إلى أن طرق جعجع الباب الذي افترض أنه سيكون الأقرب إلى صالون الرئيس السوري بشّار الأسد. طرق الباب القطري، مراهناً على متانة العلاقة القطريّة ـــــ السوريّة.
فخلال زيارة رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جبر آل ثاني الأخيرة لبيروت، كان جعجع أول من زاره في مقر إقامته، وقال جعجع بعد اللقاء: «أطلعتُ الشيخ حمد على الأجواء اللبنانية الداخلية وعمل حكومة الوفاق الوطني، وقمنا بجولة سريعة على الأوضاع منذ اتفاق الدوحة وحتى الآن وما حصل من تطورات حتى هذه اللحظة». أضاف حينها رداً على التهديدات الإسرائيليّة للبنان: «الاتجاه لمواجهة أي تهديدات مثل التهديدات الإسرائيلية هو أن يكون الصف الداخلي اللبناني موحّداً ومرصوصاً، وأفضل شيء يمكن فعله ليكون كذلك هو أن يكون القرار الاستراتيجي وقرار الدفاع عن لبنان موجوداً داخل الحكومة اللبنانية».

وبحسب مطّلعين على أجواء اللقاء، فإن جعجع اشتكى لرئيس وزراء قطر كيف أن سوريا وحلفاءها يضعونه في الزاوية، وينعتونه بأسوأ النعوت مستخدمين عبارات من نوع: خائن وعميل ومجرم، وأن هؤلاء لا ينفكّون يذكرون بالتاريخ. وإذ طلب جعجع من رئيس الوزراء القطري التدخّل لدى السوريين، تلقّى من الضيف القطري وعداً ببذل ما يستطيع أن يقوم به، مقابل التخفيف من حدّة خطابه تجاه السوريين، وتجاه حزب الله.

هنا بيت القصيد. يقول متابعون لهذا الموضوع إن جعجع رأى أنه يُمكن أن يعتمد خطاب الرئيس سعد الحريري المعتدل تجاه سوريا، وأن يُصعّد تجاه حزب الله، «من دون أن يدري أن لا أحد يُمكن أن يفصل علاقة سوريا عن حزب الله»، بحسب ما يقول مطّلعون.

في هذا المناخ، انتشرت معلومة غير مؤكّدة في بعض الأوساط القريبة من سوريا عن قيام موفد من جعجع على زيارة دمشق ولقائه باللواء رستم غزالة، وأن الزيارة لم تكن إيجابيّة.

لا ينفي مسؤولون في القوّات هذا الكلام ولا يؤكّدونه، لكنّهم يقولون إن جعجع لم يكن في يومٍ من الأيام حاداً في خطابه تجاه سوريا، وإن أكثر المواقف التي أطلقها هي حين قال في واحد من مهرجانات 14 آذار: «البحر من أمامكم والعدو من ورائكم». يُضيف هؤلاء أن جعجع لطالما تحدّث عن علاقات جيّدة مع سوريا مع مطالبته «بعودة المعتقلين وتصحيح ما يُمكن تصحيحه من اتفاقيّات». لكن مصادر مسؤولة في القوات تؤكّد أن القوات لا «تريد أن تُعلّق على هذه الاتصالات ولا تريد إظهارها في الإعلام بل تُريد إبقاءها في سياقها الدبلوماسي حرصاً عليها».

في هذا الإطار، يتحدّث سياسيّون عايشوا فترة المفاوضات بين السوريين والقوّات اللبنانيّة في بداية تسعينيات القرن الماضي عن تشابه في المواقف القوّاتيّة بين ذلك التاريخ واليوم الحالي.

ويُشير هؤلاء إلى أن جعجع أبلغ العميد غازي كنعان، الذي تولّى المفاوضات حينها، أنه لا يُمكنه أن ينتقل من موقع إلى آخر بسرعة، بل عليه أن «يوسّع الكوع كي يستطيع أن ينقل جمهوره معه، لأنه إذا انعطف بسرعة، فإن جزءاً كبيراً من جمهوره لن يلحق به». أدّت هذه المفاوضات حينها إلى فشل يعرف الجميع كيف تطوّر.

يقول هؤلاء السياسيّون إن جعجع يقول اليوم كلاماً مشابهاً، مؤكّداً أن على الجميع تجاوز تاريخه، على أن يُعدّل خطابه شيئاً فشيئاً، مشيراً إلى أنه بدأ في هذا الأمر مع سوريا، لكن هذا الأمر لا ينفع اليوم أيضاً.