//Put this in the section //Vbout Automation

الحريري على طريق دمشق: تثبيت شرعـية تلازم المسارين – نقولا ناصيف – الأخبار

كما ذهب إليها في طريقه إلى واشنطن، عاد إليها في طريق عودته منها. مظهر جديد وإضافي للمسار الذي باتت تسلكه علاقة رئيس الحكومة بدمشق. مجدّداً عادت السياسة الخارجية للبنان وسوريا واحدة

ردّت الزيارة الثالثة للرئيس سعد الحريري للعاصمة السورية، واجتماعه بالرئيس بشّار الأسد، الاعتبار إلى تلازم مساري البلدين من مجمل الملفات الإقليمية الساخنة، وليس الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي الذي مثّل في عهدي الرئيسين الياس الهراوي وإميل لحود العمود الفقري لما سُمّي تلازم المسارين. اتسع الاجتهاد في تعريف هذا التلازم، فضم إلى النزاع مع إسرائيل والموقف من مفاوضات السلام والتسوية السلمية، مقاربة مشتركة ـــــ أو تكاد ـــــ للموقف من إيران في نزاعها مع واشنطن وإسرائيل والمجتمع الدولي حول ملف سلاحها النووي، وكذلك السياسة الأميركية المتعدّدة الاتجاهات في المنطقة بسعيها حيناً إلى السلام وبتبريرها أحياناً ردود الفعل الإسرائيلية السلبية. أفضت زيارة الحريري الثالثة لدمشق إلى تعزيز شرعية تلازم المسارين الذي كان قد بدأه رئيس الجمهورية ميشال سليمان مع نظيره السوري في السنتين الأوليين من عهده.
لم يشأ الرئيس فؤاد السنيورة، على رأس أولى حكومات ما بعد اتفاق الدوحة، زيارة دمشق ولا الإفصاح مباشرة عن تلازم المسارين الذي كان قد ثبّته البيان الوزاري لحكومته الثانية وحَصَرَ ملف العلاقات اللبنانية ـــــ السورية برئيس الجمهورية، ثم أتى البيان الوزاري لحكومة الحريري، ومن ثم زياراته الثلاث لدمشق في خمسة أشهر، دليلاً إضافياً على أن تلازم المسارين، بملفاته الإقليمية المتشعّبة والساخنة، أضحى حقيقة غير ملتبسة. واقع الأمر أن تسليم الحريري بوجهة نظر دمشق من العلاقات المميّزة اللبنانية ـــــ السورية، المتضمّنة إقراراً حاسماً بحماية المقاومة وتبرير احتفاظها بسلاحها ورفض كل ما يتعرّض لها والقبول بالمصالح الاستراتيجية السورية في لبنان، بعث الروح في تلازم المسارين.

تعكس هذه الصورة التقدّم الذي بلغته علاقة رئيس الحكومة بدمشق. فالجولة العربية التي استبق بها زيارته واشنطن، وشملت السعودية ومصر والأردن، إلى تركيا، زار في عدادها سوريا في 18 أيار، وقيل في تلك الجولة إن الحريري ساوى بين تلك العواصم في سعيه إلى حمل موقف متطابق بينه وبينها قبل محادثاته الأولى مع الرئيس باراك أوباما والمسؤولين الأميركيين، مضفياً شعار السلام على تلك المحادثات. بيد أن زيارته دمشق في طريق العودة في 31 أيار لإطلاع رئيسها على مداولاته هناك، أفسحت في المجال أمام تأكيد الحيّز المميّز لدمشق في مسار تحرّكه الخارجي، مستعيداً تجربة والده الرئيس رفيق الحريري. لم يحتج الرئيس الراحل دائماً في طريق الذهاب أو الإياب في زيارات رسمية مهمة كالاجتماع بالأميركيين، إلى زيارة مسبقة لدمشق ثم أخرى تالية. بيد أنه، شأن الرئيسين الهراوي ولحود، لم يسعَ يوماً إلى قطع خيط في السياسة الخارجية للبنان، وتحديداً في ما يتصل بتلازم المسار بين البلدين، من دون موافقة مسبقة من دمشق.

أحاطت بتقدّم علاقة الحريري بسوريا، وبرئيسها خصوصاً، بضعة معطيات منها:

1ـــــ بات الحريري أحد قلة سياسيين لبنانيين بارزين لهم مكانة خاصة لدى الرئيس السوري الذي يحصر به علاقتهم بسوريا. وهي حال علاقته بأربعة آخرين تجمعه بهم علاقة مماثلة: رئيس الجمهورية والرئيس ميشال عون والنائب سليمان فرنجية. أما رابعهم الذي يعلوهم جميعاً مكانة وتأثيراً في معادلة النزاع الإقليمي، فهو الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله بحكم موقعه قائداً لحزبه ولمقاومة يضعها الأسد في سلم أولويات الاستراتيجيا السورية في لبنان والمنطقة، غير منازع عليها. فرنجية هو الأقرب في الشقّ الشخصي إذ يعدّه الأسد، كما عدّه من قبل والده الرئيس حافظ الأسد، أحد أفراد العائلة.

دخل الحريري في دائرة العلاقة الشخصية والسياسية في آن، فلا تنقضي 10 أيام لا يجري مكالمة هاتفية بالرئيس السوري ويتشاور معه. وعندما يزور دمشق يكتفي بالاجتماع بالأسد ويغادر، رغم وجود موعد مؤجل بينه ونظيره السوري محمد ناجي العطري يرتبط ببتّ ملفات تعاون البلدين والاتفاقات الثنائية في إطار هيئة المتابعة والتنسيق التي تمثّل أعلى هيئة مشتركة بين البلدين بعد المجلس الأعلى السوري ـــــ اللبناني، وتجمع رئيسي حكومتيهما. ورغم وجود قناتين تعملان في ظلّ علاقة الرجلين، أولى سياسية تضم مستشارة الرئيس السوري للشؤون السياسية والإعلامية الوزيرة بثينة شعبان ومدير مكتب الحريري، ابن عمته نادر الحريري، وثانية أمنية تجمع رئيس فرع المنطقة (دمشق) ورئيس فرع ريف دمشق اللواء رستم غزالة ورئيس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي العقيد وسام الحسن، تبقى ملفات البلدين بين يدَي الأسد والحريري، تماماً على غرار الملفات نفسها بين يدَي الرئيس السوري ورئيس الجمهورية.

كلاهما، سليمان والحريري، بحكم تقارب مزاجيهما الشخصي وتعاونهما في الحكم، ومقاربتهما المشتركة للعلاقات المميّزة مع سوريا، يخاطبان الرئيس السوري بلغة واحدة في الشأنين الداخلي والخارجي، حتى الآن على الأقل. يتيح الدستور لكليهما ترؤس جلسات مجلس الوزراء والتحرّك الدبلوماسي، ويُعيد قراراتهما في نهاية المطاف إلى مجلس الوزراء. إلا أن الأسد، أكثر من أي وقت مضى خَبِرَ فيه علاقة سوريا بلبنان وكذلك والده من قبل، يلتقي مع رئيسي الجمهورية والحكومة على ما لم يألفه في علاقة الحريري الأب بالهراوي ولحود. قبل أن يستقبل الحريري يكون قد اطلع على الموقف اللبناني من سليمان. والعكس صحيح.
منذ لقائهما الأول في كانون الأول الماضي، ألحّ الرئيس السوري على رئيس الحكومة اللبنانية وضع نصب عينيه مهمتين رئيسيتين لحكومته، في موازاة تمسّكه بالعلاقات المميّزة: تجنّب كل ما يؤول إلى فتنة سنّية ـــــ شيعية، والاستقرار السياسي والأمني.

2ـــــ بحسب معاونين وثيقي الصلة به، ينطلق رئيس الحكومة في علاقته بدمشق من اعتقاده بأن العلاقات المميّزة معها مصلحة لبنانية قبل أن تكون مصلحة سورية. وهو لا يتوخى من علاقته هذه، التي يترجّح تقويمها بين كونها ثمرة مصالحة سعودية ـــــ سورية وبين اقتناع الحريري بحتمية رجوعه بنفسه كما بشارعه السنّي إلى الخيار السوري، إلا تأكيده أنه لا يريد العودة بها إلى الوراء. وهو مغزى سعيه إلى تطوير الاتفاقات الثنائية لا إلى إلغائها، وتشبّثه كذلك بالمعاهدة بين البلدين والمجلس الأعلى السوري ــ اللبناني. وتبعاً للمعاونين أنفسهم يضع الحريري الاستقرار السياسي والأمني في صلب العلاقات المميّزة. بيد أنه قارب باستمرار هذه المسألة، قبل زيارة دمشق وبعدها، وفق معادلة أن الاستقرار بشقيه ليس فاتورته وحده، بل إن كل الأفرقاء اللبنانيين ـــــ وسوريا خصوصاً ـــــ معنيون به ويماثلونه مسؤولية تثبيته.

3 ـــــ يرغب الرئيس السوري بدوره في استقرار علاقة بلاده بلبنان على نحو مختلف لمرحلة ما قبل 2005. بات معاونو الحريري يتحدّثون بكثير من اليقين والجزم بأن دمشق لم تعد تتدخّل في الشؤون اللبنانية، ولا تطلب ذلك. لم تتورّط في الانتخابات النيابية ولا في الانتخابات البلدية، ولم تسعَ إلى وضع العراقيل في طريق إجرائها أو تعطيلها. لم تفاتح رئيس الحكومة في المواقف السلبية لحلفائه الذين ينتقدونها مباشرة أو ضمناً من خلال التشهير بسلاح حزب الله. لم توحِ له بضرورة إبعاد بعض مساعديه ممّن لا يزالون يتخذون منها موقفاً سلبية أيضاً. عبّر الرئيس السوري في أكثر من مناسبة، مع أكثر من زائر، عن دعمه الحريري ومساعدته على تجاوز العقبات التي تواجهها حكومته، فلم يتردّد في إبراز تقديره انفتاحه على سوريا على وفرة الانتقادات التي قوبلت بها خطوته الاستثنائية زيارتها بعد عداء السنوات الخمس الأخيرة لها.
الحريري أحد قلة سياسيين لبنانيين لهم مكانة خاصة لدى الرئيس السوري الذي يحصر به علاقتهم بسوريا كانت بعض الخطوات المعبّرة عن طيّ صفحة الماضي، استقبال الأسد العقيد الحسن في 14 آذار الفائت، واستقبال رئيس الإدارة العامة للمخابرات اللواء علي المملوك الذي يمثّل رأس الأجهزة الأمنية السورية المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي. اتهم الضابطان اللبنانيان في مرحلة السنوات الأخيرة بالاضطلاع بدور بالغ السلبية حيال سوريا وتحوّلهما رأس حربة في توجيه الشبهات إليها باغتيال الحريري الأب، ومحاولة التأثير على المراحل الأولى من التحقيق الدولي، ولم يتردّدا في الجهر بأن دوريهما على رأس قوى الأمن الداخلي ـــــ خلافاً لاستمرار تعاون الجيش مع سوريا آنذاك ـــــ هو منع عودة نفوذها إلى لبنان ومحاربة نشاطاتها السرّية في هذا البلد. ومع أن ريفي زار دمشق في 10 تشرين الثاني 2008 في وفد ترأسه وزير الداخلية زياد بارود، لم تكتسب مصالحته مع دمشق صدقية جدّية إلا بعد زيارة الحريري لها.

4ـــــ رغم حصر الملف اللبناني بين يديه، لم يفتح الرئيس السوري أبواب القصر الجمهوري في المرحلة الحالية إلا أمام عدد محدود من زواره السياسيين، بينهم مَن يستقبله بتواتر في نطاق بحت شخصي كفرنجية، ومَن يستقبله سرّاً لدوافع سياسية دقيقة كنصر الله، ومَن يستقبله علناً كرئيسي الجمهورية والحكومة. وضع المصالح الاستراتيجية وأمن سوريا والمقاومة في رأس العلاقات المميّزة، واهتم باستمرار باستكشاف أصداء انفتاح الحريري على سوريا. لدى استقباله الحسن سأل الأسد عن المراحل التي قطعتها ردود فعل الشارع السنّي في لبنان بعد ثلاثة أشهر على الزيارة الأولى للحريري لدمشق. سأل أيضاً عن المزاج الذي يسود تيّار المستقبل ومدى تقبّله بعد سنوات التعبئة العدائية ضد سوريا في بيروت وطرابلس وصيدا وعكار والبقاع الغربي المصالحة وإياها وملاقاة زعيمه، رئيس الحكومة، في خياره الجديد. استوضح مدى التحوّل الذي طرأ على تيّار المستقبل في ظلّ الحريري باستعادة تجربة العلاقة الوطيدة التي جمعت والده بالأسد الأب ثم بالأسد الابن قبل أن يولد تيّاره ويمثّل الحريري الأب زعامة شعبية.

كان الامتياز الرئيسي الذي تجاوز فيه الابن أباه أنه عادى سوريا وهو زعيم تيّاره والشارع السنّي وزعيم الغالبية النيابية، الواقع الذي لم يدركه والده. وها هو يجرجر هؤلاء جميعاً، ببطء ملحوظ، إلى الخيار السوري.