//Put this in the section //Vbout Automation

البطريرك والفاتيكان: التغيير آتٍ – غسان سعود – الاخبار

من الآن وصاعداً لن يستكين البطريرك الماروني نصر الله صفير. كل يوم سيرفع الصوت الاستفزازي أكثر، محاولاً بكل الوسائل استنطاق «خصومه» ليردّوا عليه. هذه هي الوسيلة الوحيدة لعرقلة ما يثق البطريرك أكثر من غيره بأنه يُطبخ في مكان غير بعيد من بكركي


مرّ على تعيين السفير البابوي الحالي في لبنان غابرييللي كاتشا نحو ثمانية أشهر (عيّن في 16 تشرين الأول 2009). الرجل الذي يقيم في سفارة بلاده في منطقة حريصا يعدّ بالنسبة إلى الفاتيكان، سفيراً فوق العادة. فهو واحد من أهم الدبلوماسيين في السلك الخارجي الفاتيكاني، إذ شغل لفترة طويلة في بلاده منصب نائب وزير الخارجية، قبل تعيينه سفيراً في لبنان، ولديه بالتالي اطّلاع وافٍ على كل التفاصيل الشرق أوسطية، علماً بأن معظم السفراء الفاتيكانيين لا يعينون في السلك الدبلوماسي إلا بعد تمرسهم في العمل الإداري نحو 18 عاماً (يحصل في حالات نادرة أن يعين الفاتيكان سفيراً له من خارج الملاك، مثل سفير الفاتيكان لدى الكويت المطران منجد الهاشم). ويعدّ كاتشا من أقرب المقربين إلى الكرسي الرسولي، فهو كان يُعَدّ الرجل الخامس في الفاتيكان بعد البابا، الكاردينال ترشيسيو برتوني (أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان)، فرناندو فيلوني (نائب أمين سر الدولة للشؤون العامة) ودومينيك ممبرتي (أمين سر العلاقات مع الدول). ولا لبس بالتالي في صدقية الرجل بالنسبة إلى الفاتيكان أو في النيات الفاتيكانية التي تقف وراء تعيينه هو شخصياً سفيراً لدولته في لبنان.
المطّلعون على ظروف تعيين كاتشا يشيرون إلى مجموعة تحديات حثّت البابا الجديد على تعيينه، تبدأ بتجديد الكنيسة ومأسستها تمهيداً لوقف هجرة المسيحيين من الشرق الأوسط (السياسي) وثباتهم في مجتمعهم ليكونوا مؤثرين على أكثر من صعيد. ورغم أن شرفات السفارة البابوية تسمح للسفير بالإطلال دائماً على بكركي، فإن اهتمام كاتشا لا يفترض أن ينصبّ على الموارنة حصراً، ليشمل الكاثوليك والسريان الكاثوليك والأقباط وغيرهم. فالخمول المنتشر على مستوى السلطات الكنسية العليا يكاد يكون هو نفسه في معظم هذه الكنائس. من هنا، يقول أحد المطلعين إن بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام (مواليد 1933) لن يكون بعيداً من التغيير، نظراً إلى وجود ما يصفه البعض بالخلاف اللاهوتي والإداري بين الكرسي الرسولي ولحام، إضافة إلى عدم إنجاز لحام الكثير منذ ارتدائه عباءة البطريرك، قبل عشر سنوات، إثر تنازل سلفه البطريرك مكسيموس الخامس حكيم عن المنصب، بسبب مشكلات صحية (كان عمر حكيم 92 عاماً). ويبدي أحد رجال الدين اعتقاده، في موضوع لحّام، أن دوائر الفاتيكان لم تعد تعنيها بيانات البطاركة ومواقفهم التي تحث أبناء كنيستهم على البقاء في أرضهم، فهي تبحث اليوم عن أداء عملي لا خطابي. وهناك نيّة أكيدة، بحسب أحد المصادر، لبدء ورشة إصلاح في بطريركية السريان الكاثوليك، وخصوصاً أن الخلافات المتعددة التي ظهرت بوضوح إثر استقالة البطريرك إغناطيوس بطرس الثامن عبد الأحد لم تُحلّ إثر انتخاب إغناطيوس يونان (في 20 كانون الثاني 2009) بطريركاً. وهناك في الفاتيكان من يعتقد أن إحياء الثقافة السريانية تزامناً مع استعادة لبنان وسوريا وتركيا للسريان الكاثوليك الذين يعدّون نحو 125000 شخص، يمكن أن يمثّل إنجازاً كبيراً. ويصح على بطريركية الأقباط الكاثوليك (انتخب أنطونيوس نجيب بطريركاً بالإجماع في 30 آذار 2006 إثر استقالة البطريرك إسطفانوس الثاني، لأسباب قيل إنها صحية) ما يصح على السريان الكاثوليك، بحسب المصادر نفسها التي تؤكد أن بطريرك الأقباط الكاثوليك جيّد، لكنه لم يعرف بعد كيف ينطلق في العمل.
قصة الموارنة وبطريركهم أكثر جديّة: الكنيسة العزيزة على قلب الفاتيكان لم تمأسس رغم الجهد والاهتمام المباشر الذي قام به الكرسي الرسولي. ورغم عشرات الكتب التنظيمية الموضوعة بتصرف بكركي، لم تباشر البطريركية بأي خطة جدية تبقي الموارنة في أرضهم بدل التفرج عليهم ينتقلون من صراع دموي إلى آخر، وإبقائهم في قلق وخوف دائمين. ولم تجد الكنيسة التي يفترض أنها مشرقية طريقها إلى الانسجام مع المشرق. أما الإرشاد الرسولي الذي عملت له دوائر الفاتيكان كلها، فبقي حبراً على ورق. كل ذلك والبطريرك نصر الله صفير (مواليد 1920) لا يفعل أكثر من هزّ رأسه، واعداً ببذل جهد إضافي لتحقيق التطلعات الفاتيكانية.
ما الحل إذاً؟ لا أحد في لبنان يعلم حقيقة ما يخبئه كاتشا. لكن بعض رجال الموارنة الذين يلتقون سفير الكرسي الرسولي يعتقدون بوجود خيارين رئيسيين يفترض أن يبلور كاتشا أحدهما ويقدمه لمرجعيته قبل إكماله عامه الأول في جبل لبنان.
الخيار الأول يقضي بتعيين لجنة من ثلاثة مطارنة تعاون البطريرك صفير في إدارة شؤون البطريركية. وفي الأرشيف الكنسي سوابق عدّة تشرّع بالنسبة إلى الفاتيكان هذا الأمر. فحين بلغ البطريرك أنطوان عريضة سن الرابعة والتسعين، عيّن الكرسي الرسولي 3 مطارنة لإدارة شؤون البطريركية، كان بينهم مطران صور يومها، البطريرك لاحقاً، بولس المعوشي. ولاحقاً بعد حرب الجبل واقتناع البطريرك أنطوان خريش بعجزه عن إدارة شؤون طائفته، اقترح خريش على الفاتيكان اسم مطران صيدا آنذاك (1985) إبراهيم الحلو ليكون مدبّراً رسولياً للكرسي البطريركي، وهكذا كان. وتشير بعض المعلومات إلى أن صفير سمع قبل نحو عام اقتراحاً يقضي بتعيين ثلاثة مطارنة لمساعدته، تكون مهمتهم الرئيسية وضع خطة لمأسسة الكنيسة المارونية. وطلب منه اقتراح اسمين ليسمّي الفاتيكان ثالثهما. لكن صفير كان جازماً في رفضه، وأبلغ من يراجعه أن تفعيل الأمانة العامة في البطريركية المارونية، وفق الأسس التي حددها المجمع البطريركي الماروني، يكفي لعلاج المشكلات إن صحّ وجودها. بعد عام على هذا الكلام، يجد صفير نفسه أمام نقطة قوة ونقطة ضعف. فتعيين لجنة وصاية، وكان آخرها في كنيسة الأقباط الكاثوليكية، يتزامن مع حصول ضغط علني على الفاتيكان من بعض المطارنة الفاعلين في مجلس المطارنة. أما في حالة صفير اليوم، فلا يوجد مطران فاعل واحد (ثلث المطارنة الموارنة الحاليين، متقاعدون) مستعد لانتقاد صفير وجهاً لوجه، ومعظم هؤلاء (24 مطراناً) انتخبوا مطارنة بمباركة صفير الذي رسمهم بنفسه. هذه نقطة قوة للبطريرك الماروني الحالي، أما نقطة ضعفه فهي أن الأمانة العامة لم تُفعّل، ومآخذ بعض المراجع الكنسية العليا على من سماه صفير أميناً عاماً لا تعدّ ولا تحصى، علماً بأن صفير يحاول اليوم استدراك الوضع عبر تهميشه الأمين العام الحالي وإبلاغ من يعنيهم الأمر استعداده لتغييره. وكان لافتاً على هذا الصعيد، انضمام القيّم البطريركي الأب جوزف البواري إلى الوفد البطريركي الذي زار أخيراً كلاً من قبرص وفرنسا، تزامناً مع غياب الأمين العام للبطريركية المارونية الأب ريشار أبي صالح، رغم أن المنافسة داخل بكركي كبيرة بين البواري وأبي صالح.
الخيار الثاني ينطلق من عدم وجود إجماع داخل المجمع الماروني على إقالة صفير: عدم وجود مبررات صحية تستدعي تعيين لجنة تساعده وعدم وجود حماسة لدى الفاتيكان للنظر في الملفات التي يُحكى عنها منذ نحو سنتين، لأن توجيه أي اتهام لبطريرك الموارنة سيدخل الفاتيكان في وجع رأس هو بغنى عنه. الحل إذاً يبدأ بالنظر إلى حالة الكنيسة المارونية: هناك شلل إداري كامل، عدم تطور على صعيد توفير ظروف حياة اجتماعية وتربوية واقتصادية وسياسية وأمنية أفضل لأبناء الطائفة، وعجز عن انتخاب المطارنة (امتنع مجلس المطارنة عن انتخاب 8 مطارنة موارنة جدد وقدم التماساً لاستمرار المطارنة الذين بلغوا سنّ التقاعد في ممارسة مهماتهم، وحذا مطارنة الروم الكاثوليك حذو المطارنة الموارنة في ما يخص ثلاثة من مطارنتهم بلغوا سن التقاعد أيضاً، لكن يرجح أن يرفض الكرسي الرسولي هذا الأمر ويفرض على المعنيين إجراء انتخابات). هذا كله يفترض أن يسمح




الفاتيكان، بحسب أحد المطلعين، بأن يتدخل مباشرة لإعادة تنظيم كنيسة تبدو هرمة، تعبة وغير قادرة على إدارة شؤونها بنفسها. وفي حال اعتماد هذا الخيار، فإنه يعني تدخل الفاتيكان على نحو كبير لتنظيم الطائفة المارونية من أعلى الهرم حتى القاعدة، ليشمل ذلك انتخاب مطارنة جدد تمهيداً لانتخاب بطريرك جديد، والبدء بتطبيق كل توصيات المجمع البطريركي الماروني الأخير، التي أوصى صفير نفسه بضرورة أن تكون حيّة فاعلة لا ميتة.
بين بكركي (مقر صفير) وحريصا (مقر السفير البابوي) برودة كبيرة وحذر متبادل. السفير لم يترك موقعه المهم في الفاتيكان حباً بالنقاهة وإعجاباً بالتقاء الجبل اللبناني بالبحر. هو هنا لمهمة واضحة، كما يؤكد أب كاثوليكي يدأب على لقائه، تتمثل بوقف النزف المسيحي، وتثبيت المسيحيين في أرضهم، ووضع تصور عملاني لمستقبلهم في هذه المنطقة. ويفترض بالسفير، «ككل راع يخشى على قطيعه»، أن لا يتردد أمام أي شيء. أما البطريرك الماروني، فيرفض السير على طريق سلفه أنطوان خريش، فيعترف بعجزه عن حماية مصالح طائفته، مبعداً نفسه بنفسه. البطريرك الذي «يُزار ولا يزور» تنقل من عكار إلى زحلة مروراً بقبرص وفرنسا، خلال شهر واحد. وهو لا ينوي الانتقال إلى المقر البطريركي الصيفي في الديمان قبل العاشر من تموز. أمامه متسع من الوقت للقيام بجولات على المناطق اللبنانية والعواصم العالمية والتنقل من وسيلة إعلامية إلى أخرى. ويستطيع الاستفادة من هذه جميعها، ليقول صراحة ما يفكر فيه، سواء عن «ما يسمى حزب الله» أو عن ميشال عون وسليمان فرنجية وغيرهما. رهانه الأساسي على سجالات تثيرها هذه الزيارات ومواقفه الملتبسة خلالها. فبمجرد أن يُرمى صفير بسهام خصومه، سيعيد السفير الفاتيكاني في لبنان الملف إلى الجارور وينتظر بضعة أشهر أخرى. فصفير أكثر من يعلم أن الخط الأحمر بالنسبة إلى الفاتيكان هو الانتقاص من حضور أي رجل دين يتعرض لضغوط.
المراقبون عن بعد لطريقة عمل كاتشا، وأحدهم تجمعه به معرفة وطيدة منذ كان نائباً لوزير خارجية الفاتيكان، يؤكدون أن التغيير في الوضع الحالي للبطريركية المارونية قد حسم، لكن كاتشا يحرص على خروج الاثنين، موقع البطريرك وشخص البطريرك صفير، محترمين من هذا الاستحقاق، من دون أن يؤدي الدفاع عن أحدهما إلى احتراق الآخر. عبارة يؤكد من يعرف كاتشا أنه سيحترمها، ويأملون بصدق أن يحترمها صفير أيضاً.التفاف على الكنيسة المارونيةينقل زوار السفارة الفاتيكانية أنّ السفير البابوي غابرييللي كاتشا فوجئ بموقف النائب السابق فارس سعيد الذي رأى أن استقبال السفير وفداً من حزب الله هو بمثابة «التفاف على الكنيسة المارونية (…) وفتح قنوات اتصال مع السفارة البابوية لتسجيل شكوى ضد البطريرك الماروني على خلفية القضايا التي تثيرها الكنيسة المارونية (…)». وذكر أحد الزوار أن أبواب السفارة مفتوحة، وكان يفترض بسعيد الترحيب بالزيارة بدل الإيحاء بأن السفارة البابوية تستقبل الشكاوى ضد البطريرك نصر الله صفير. وأكد المصدر أن الزيارة التي لم يعلن عنها حزب الله في وقتها حصلت منذ ثلاثة أشهر، ولم يكن البطريرك يومها يصعّد ضد سلاح حزب الله.