//Put this in the section //Vbout Automation

اجتماع المديرين في دمشق: هواجس السيـاسة الخارجية والأمن – نقولا ناصيف – الاخبار

بعد 19 نيسان، يعود وفد المديرين برئاسة وزير الدولة جان أوغاسبيان إلى دمشق اليوم لإجراء جولة ثانية من مناقشة الاتفاقات الثنائية بين البلدين، تستمر غداً أيضاً، بعد تبادل الطرفين اللبناني والسوري الملاحظات

في الاجتماع الثاني مع الوفد السوري برئاسة رئيس هيئة تخطيط الدولة عامر لطفي، يبحث المتحاورون في الملاحظات التي كان قد أعدّها الجانب السوري في الشهرين المنصرمين، رداً على اقتراحات سلمها له الوفد اللبناني في الاجتماع الأول. ورغم أن المدة الفاصلة بين الاجتماعين الأول والثاني أفضت إلى إنجاز ما يقرب تسعة اتفاقات ثنائية وتسع مذكرات تفاهم بين لبنان وسوريا، في صيغتها الجديدة التي راعت شروط تحسين متطلبات كل من الطرفين، إلى 14 اتفاقاً آخر برسم المناقشة النهائية، يتناول الاجتماع الثاني في دمشق شقين رئيسيين ومهمين في هذه الاتفاقات، كانا قد نوقشا على نحو عابر في اجتماع 19 نيسان، إلى أن توصّل كل من الطرفين إلى طرح اقتراحات جديدة: الأول هو وضع آلية تفعيل عمل لجنة الشؤون الخارجية، والثاني اتفاق الأمن والدفاع.

لكل من البلدين شكوى حيال هذه اللجنة أو ذلك الاتفاق: تشكو سوريا من عدم تنسيق السياسة الخارجية بين البلدين من خلال ما نصّت عليه معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق في نطاق المجلس الأعلى السوري ـــــ اللبناني، ويشكو لبنان من بندين يعدّهما غير ملائمين لواقعه أوردهما اتفاق الدفاع والأمن. وهكذا يدخل الطرفان المفاوضان في صلب الموضوعين الأكثر حساسية في العلاقات المميّزة اللبنانية ـــــ السورية، وقد سلكا بعد خروج الجيش السوري في لبنان بعداً جديداً أفضى، في السنوات الأخيرة بين عامي 2005 و2008، إلى أوسع اضطراب في علاقات البلدين بسبب تنافر سياستيهما الخارجية وانعدام جزء رئيسي من التنسيق الأمني بينهما، أدى إلى مزيد من تدهور هذه العلاقات.
 
ومع أن لجنة الشؤون الخارجية هي أحد الأجهزة الرئيسية التي نصّت عليها المعاهدة، وأوردتها المادة الخامسة منها، إلا أنها لم تجتمع مرة منذ وُضعت هذه الأجهزة موضع التنفيذ قبل نحو 19 عاماً. على مرّ هذه السنوات، حتى انسحاب الجيش السوري من لبنان، كان تنسيق السياسة الخارجية يجري بين رئيسي الدولتين ووزيري الخارجية، لكن من غير أن يُوثق في الإطار نفسه الذي طبع عمل سائر الأجهزة المنصوص عليها في المعاهدة. حمل ذلك المفاوض السوري على اقتراح مذكرة تفاهم من صفحتين تقضيان بوضع آلية عمل لجنة الشؤون الخارجية ووضع قواعد السياسة الخارجية التي أوردتها المعاهدة موضع التطبيق الفعلي. إلا أن المفاوض اللبناني الذي تسلّم نسخة عنها تريّث في التعليق عليها، ريثما يُعقد الاجتماع الثاني.

وتنظر دمشق بأهمية قصوى إلى تنسيق السياسة الخارجية الذي بلغ ذروة في عهدي الرئيسين الياس الهراوي وإميل لحود مع نظيريهما الرئيسين حافظ الأسد وبشّار الأسد، وخصوصاً أن المعاهدة تفرد حيّزاً في تحديد مبادئ السياسة الخارجية بوجهيها العربي والدولي، وتقرن هذا التنسيق بالمصير المشترك والمصالح المشتركة، كما بالتعاون المتبادل في نطاق حماية كل من البلدين أمن البلد الآخر ومصالحه. وأعاد البيان الختامي الصادر عن قمّة سليمان والأسد في دمشق، في 13 آب 2008، تأكيد هذا التنسيق في إطار اتفاقهما على تبادل دبلوماسي بين البلدين في المرحلة الجديدة التي شقتها العلاقات اللبنانية ـــــ السورية. قالت وجهة نظر دمشق أيضاً بضرورة تفعيل عمل لجنة الشؤون الخارجية وانتظام التنسيق الدبلوماسي بين الدولتين، وعدم قصره على أحداث ملحة تحتّم التحادث بينهما، وألحّ المفاوض السوري على نظيره اللبناني، ما دام لبنان يتمسّك بإطار المجلس الأعلى والأجهزة المنبثقة من المعاهدة الثنائية، تحديد اقتراحات تؤول إلى تفعيل منتظم وآلية عمل دائمة لا يقتصران على وزيري خارجية البلدين فحسب، بل يشمل أيضاً دور السفارتين في دمشق وبيروت.
 
لجنة الدفاع والأمن
 
بدورها لجنة الدفاع والأمن تواجه تفاوتاً بين موقفي سوريا ولبنان. إذ فيما ترى الأولى أنها هي الأخرى لم تفعّل على النحو المنوط بها، فاقتصر التفعيل الجدّي على اللجنة العسكرية بين جيشي البلدين اللذين لم ينقطع تواصلهما، وكذلك اللجنة المشتركة، في أسوأ مراحل تدهور علاقات البلدين، دون سائر الأجهزة الأمنية المعنية، يأخذ الثاني على الاتفاق بندين يرغب في تعديلهما على نحو لم توافق عليه سوريا حتى الآن، بل تتخذ موقفاً متشدّداً بالتمسّك بهما نظراً إلى حساسية هذين البندين.

وتكمن أهمية هذين البندين في البعدين الأمني والإجرائي، كما في الهواجس التي يضمرانها لديهما على السواء:

«211 ـــــ منع أي نشاط أو عمل أو تنظيم، في كل المجالات العسكرية والأمنية والسياسية والإعلامية، من شأنه إلحاق الأذى أو الإساءة إلى البلد الآخر.
212 ـــــ أن يلتزم كل من الجانبين عدم تقديم ملجأ أو تسهيل مرور أو توفير حماية للأشخاص والمنظمات الذين يعملون ضد أمن الدولة الأخرى. وفي حال لجوئهم إليها يلتزم البلد الآخر القبض عليهم وتسليمه إلى الجانب الثاني بناءً على طلبه».

تبعاً لما يقترحه، يسعى المفاوض اللبناني إلى فرض قيود، أو في أحسن الأحوال ضوابط، على هذين البندين للتخفيف من وطأتهما على طبيعة الحركة السياسية اللبنانية. يطالب بشطب «الإعلامية» من البند 211، ويتحفّظ عن إطلاق هذه الصلاحية وكل ما لا يتفق مع أحكام الدستور اللبناني التي ترعى الحرية السياسية. طرح أيضاً تعديلاً للمادة 212. أرسل التعديلين إلى الجانب السوري الذي لم يتحمّس للمضي فيهما. ثم أعاد الطرف اللبناني الأربعاء الماضي إرسال تعديلين آخرين لم يحظيا أيضاً بموافقة دمشق التي تتمسّك بالبندين على نحو ورودهما في اتفاق الأمن والدفاع.

واستناداً إلى معلومات وثيقة الصلة بالأوراق المتبادلة بين بيروت ودمشق، فإن بندي 211 و212 في اتفاق الدفاع والأمن لن يكونا جدّياً برسم أي تعديل. وقد يصبحا في عهدة رئيس الجمهورية ميشال سليمان في قمّته الثالثة مع الرئيس بشّار الأسد الثلثاء المقبل. ووفق المعلومات نفسها سيُطوى هذا الجانب من اتفاق الدفاع والأمن.

بين عامي 1991 و2000 لم تعمل لجنة شؤون الدفاع والأمن على النحو الذي تنتظم من خلاله في إطار الأجهزة التي نصّت عليها المعاهدة بين البلدين. كان الدور الفعلي للجيش السوري واستخباراته العسكرية التي نشطت بفاعلية كبيرة على الأرض اللبنانية من ضمن التفويض المعطى لها بموجب اتفاق الطائف من السلطات الرسمية، كجيش رديف لفرض الأمن والاستقرار ومساعدة الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية اللبنانية على الاضطلاع بمسؤولياتها. بعيداً من دور لجنة شؤون الدفاع والأمن التي تنصّ عليها المعاهدة في الفقرة الخامسة من المادة السادسة، وبعيداً من آلية عمل اتفاق الدفاع والأمن، كان الجيش السوري يتولى تطبيق المادتين 211 و212 اللتين أثارتا حساسية بالغة عند مناقشتهما في مجلس النواب عام 1991، وكان المعارض الوحيد لهما النائب الراحل ألبير مخيبر.

مثلت هاتان المادتان على مرّ عقود القرن الماضي الهواجس الأكثر جدّية لسوريا حيال لبنان، قبل أن ينتشر جيشها على أراضيه. توجّست من دور الأحزاب والتنظيمات المناوئة عقائدياً لها، ومن دور مماثل كانت تضطلع به الصحف اللبنانية. كذلك أقلقها، وخصوصاً في عقدي الخمسينات والستينات، تدفق معارضي النظام السوري ـــــ الواحد تلو الآخر ـــــ إلى لبنان وإطلاقهم نشاطات معادية كانت الحكومة اللبنانية ترفض استجابة سلطات بلادهم تسليمهم إليها. وهكذا تضاعفت الأزمات بين البلدين. في مرحلة وجود الجيش السوري في لبنان انكفأت تلك الهواجس تماماً بعدما نيطت به مطاردة معارضي النظام السوري، سوريين ولبنانيين وعرباً، وممارسة ضغوط ـــــ بواجهة لبنانية خصوصاً ـــــ على التنظيمات والأحزاب ووسائل الإعلام. فكان أن طبق المادتين 211 و212.

في المرحلة الجديدة من العلاقات المميّزة، وفي ظلّ تمسّك رئيسي الجمهورية والحكومة بالمعاهدة والمجلس الأعلى وتفاهمهما على مقاربة الاتفاقات الثنائية مع سوريا كسلّة متكاملة، وتفاهم كل منهما مع الرئيس السوري على مقاربة العلاقات المميّزة اللبنانية ـــــ السورية وفق نظرة شاملة، بات الاتجاه السائد إلى تفعيل دور المجلس الأعلى وإعادة إحياء اللجان الثنائية بين البلدين، وأخصّها تلك التي لا تزال تفتقر إلى آلية عمل واضحة وعملية، ومعايير إجرائية على غرار ما يطالب به المفاوضان السوري واللبناني، كل على حدة وعلى طريقته، بإزاء لجنة الشؤون الخارجية ولجنة شؤون الدفاع والأمن تطبيقاً لاتفاق الدفاع والأمن، كي يوضعا موضع التطبيق سواء بهدف انتظام الأجهزة العاملة من خلال المجلس الأعلى، أو بهدف تفسير بعض البنود المثيرة للمخاوف والهواجس. والواضح أن لدمشق هواجس حيال لجنة الشؤون الخارجية، ولبيروت هواجس حيال لجنة شؤون الدفاع والأمن.