//Put this in the section //Vbout Automation

أحمد الحريري منسّق الإخفاق الانتخابي المستقبلي – غسان سعود – الاخبار

قيل الكثير عن دور سري لنادر الحريري في الإشراف على صناعة انتصار تيار المستقبل في الانتخابات النيابية الأخيرة. دور شقيقه أحمد العلني كان أيضاً كبيراً في الإشراف على «معارك» تيار المستقبل في الانتخابات البلدية والاختيارية التي لم تكن نتائجها إيجابيّة

لم يكف تيار المستقبل أنه حزب البورجوازيين، مؤسسه علّم وعمّر وكبّر، ورئيسه الحالي يحيط نفسه برجال الأعمال الممسكين بمفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية. ولم يكفه أنه «حزب السنّة»، نواب الطائفة ووزراؤها ورجال الدين من أكبرهم إلى أصغرهم يهتفون متوعدين: «لا إله إلا الله، لنا المستقبل ولكم حزب الله». قرر التيّار، تزامناً مع إنزال رئيسه سعد الحريري اللافتات المنادية بتغيير «النظام الإرهابي» القابع في «قصر المتاجرين»، أن يخرج ظاهرة حريرية جديدة، اسمها أحمد الحريري: لا تعاني حساسية من رائحة الفقراء! تتعشى في الأسواق الشعبيّة (ولو مرة في السنة، قبل الانتخابات)! ترتدي الحذاء نفسه مرتين! تتزوج على مرأى من جميع المواطنين (كان ذلك حفل زفافه الثاني بعد أول خاص)! وتتكرم كل بضعة أشهر بالإجابة عن أسئلة أحد الصحافيين.

كان يفترض أن يكون أحمد الحريري، ابن رجل الأعمال مصطفى الحريري والنائبة بهية الحريري، وشقيق نادر الحريري مستشار الرئيس سعد الحريري، الحصان الرابح لتيار المستقبل. لكن التجربة، وخصوصاً في انتخابات البقاع والشمال، لم تكن موفقة. وتعثّر تيار المستقبل هنا علامة سلبيّة في سجلّ أحمد الحريري، الذي يفترض أن يُحاسِب المسؤولين في المناطق.

يشار هنا، بعيداً عن متاهات التفاصيل والأرقام، إلى أن خسارة تيار المستقبل كلاً من حلبا وببنين وعكار العتيقة وفنيدق في عكار، وسير وقرصيتا وعزقي ومراح السراج في الضنية وجب جنين والقرعون وكامد اللوز في البقاع الغربي تكفي للقول إن تيار المستقبل خسر في هذه الانتخابات أكثر ممّا ربح.

وبالانتقال إلى أسباب هذا التراجع، يمكن جمع الملاحظات الجديّة للمتابعين لماكينة المستقبل ضمن ثلاث نقاط رئيسية، هي:

1ـــــ فقدان تيار المستقبل قدرته على مخاطبة جمهوره؛ فبعدما منع المستقبليون من رشق النظام السوري و«عملائه في لبنان» بالاتهامات، وفي غياب القرى المختلطة بأبناء الطائفتين السنية والشيعية التي تسمح للمستقبليين بتبني خطاب يقوم على تخويف السُّنة من الشيعة وتحريضهم عليهم، فقد تيار المستقبل اثنين من أعمدة الأساس في خطابه التعبوي المعتمد منذ خمس سنوات، ليتبين أن أنصاره، حالهم من حال أنصار القوى الأخرى، يلتفون حول الزعامة السُّنية حين تخوض صراعاً مع قوى طائفية أخرى، ويتخلون عنها عائدين إلى عائلاتهم وولاءاتهم المحلية حين لا تكون الزعامة المذهبية مهددة. ويلاحظ في هذا السياق أن تيار المستقبل لم يقدم حيث جرّه خصومه إلى المعركة، مشروعاً إنمائياً يقنع الناس به، وهو فضّل غسل يديه من معظم المعارك، مبشّراً بفصل الإنماء عن السياسة، كأن الأحزاب غير معنية بالعمل الإنمائي. ويرى بعض خصوم تيار المستقبل أن بعض المواطنين حاسبوا سعد الحريري الذي تركهم في موضوعي العلاقة مع سوريا وسلاح حزب الله، في الحرب وعاد. علماً بأن بعض هؤلاء الخصوم، كالوزير السابق عبد الرحيم مراد، كانوا أذكياء في إحراجهم قيادة المستقبل عبر اقتراحهم التوافق وتجنيب القرى معارك غير مبررة يدفع ثمنها المواطنون البسطاء، ما داموا يتفقون مع تيار المستقبل في معظم العناوين السياسية.

2ـــــ فشل النواب. اللائحة المدعومة من النائب أحمد فتفت (نائب عن قضاء المنية ـــــ الضنية منذ عام 1996) وهو بالمناسبة ابن النائب السابق محمد فتفت (انتخب عن قضاء المنية ـــــ الضنية في دورتي 1960 و1968)، خسرت في بلدته سير الضنية. النائبان خالد ضاهر ورياض رحال خسر كل منهما في بلدته، ببنين والشيخ محمد. وكان لافتاً التحالف بين النائب السابق وجيه البعريني وعم النائب في كتلة المستقبل خالد زهرمان، ما سمح للائحتهما بالفوز على رئيس بلدية فنيدق السابق سميح عبد الحي، أحد أهم ركائز تيار المستقبل في عكار. ويشار هنا إلى أن النواب السبعة لتيار المستقبل عدّوا أنفسهم معنيين في معركة حلبا، مركز محافظة عكار، فجعلوها «أم المعارك السياسية» وتقاسموا منازل البلدة ليزورها بعضهم في الصبح وبعضهم في الليل. هكذا، يكون النواب السبعة قد زجّوا بأنفسهم في المعركة التي لم يخرجوا منها بأي عضو بلدي. ومن الشمال إلى البقاع، حيث خاض النائب زياد القادري في البيرة معركة لإسقاط رئيس المجلس البلدي حسين بو حسين الذي كان معه في الانتخابات النيابية الأخيرة، من دون تبرير مقنع لموقفه هذا، ما أفقد تيار المستقبل صدقيته أمام بو حسين ومن معه. وفي المرج، خاض ابنها النائب جمال الجراح معركة ضد رئيس المجلس البلدي السابق كمال حرب، مفجراً بذلك المصالحة التي رعاها الرئيس سعد الحريري عشية الانتخابات النيابية بين عائلتي حرب والجراح. بدوره، اكتفى النائب أمين وهبة بإعلان دعمه لأحد المخاتير المرشحين في بلدته، لبّايا. أما المرشح الدائم لرئاسة الجمهورية، النائب روبير غانم، فما زال يحاول إيصال مرشحه إلى رئاسة المجلس البلدي في بلدته، صغبين، فيما يفترض أن يكون الرئيس سعد الحريري قد اكتشف أن تنصيبه من يشاء نواباً عن البقاع الأوسط لن يعود عليه بالخير الكثير. علماً بأن تجربة الوزراء لم تكن موفقة هي الأخرى؛ فوزير البيئة محمد رحال بذل، عبثاً، جهداً كبيراً مع كل من مسؤول منسقية تيار المستقبل في البقاع الغربي جهاد دسوقي وأحد أبرز أعمدة الأمن في التيّار محمد قدورة وحليف تيار المستقبل البقاعي سامي الخطيب للفوز بمجلس بلدية جب جنين.

3 ـــــ صراع المسؤولين. يمكن القول هنا إن تيار المستقبل يمر هذه الأيام بما سبق للتيار الوطني الحر أن مرّ به قبل أربع سنوات، لناحية تهافت المحازبين على المواقع الأمامية، واعتقاد كل ناشط أنه أهم من كل الآخرين ويستحق النيابة. فيرى البعض أن خسارة المستقبل في الضنية كانت نتيجة إصرار النائب أحمد فتفت على التدخل خلال السنوات الأربع الماضية بكل صغيرة وكبيرة، رغم وجود منسقية خاصة بتيار المستقبل، اعتقاداً منه أن هناك احتمالاً بخروج الأمور عن سيطرته، ما منع تيار المستقبل من تأسيس حالة حزبية جدية خارج منطق التزلف لفتفت. أما في البقاع الغربي، فبدا تيار المستقبل عاجزاً عن التحليق بثلاثة أجنحة: منسق التيار في البقاع الغربي وراشيا جهاد دسوقي الذي يحسبه البعض على النائب وليد جنبلاط، محمد قدورة القريب من نادر وأحمد الحريري، وأحمد رباح وحمّادي جانوم المحسوبان على النائب جمال الجراح. فكلٌّ من هذه الأجنحة يشد باتجاه ثالث.




يشار هنا إلى أن بعض المشاكل البلدية المعتادة تتفاعل، تاركة أثاراً سلبية على تيار المستقبل. ففي بلدة قب الياس في البقاع الأوسط مثلاً، خاض المستقبليون معركة بعضهم ضد بعض، إثر ترشح مجموعة مستقبلية تعترض على دعم آل الحريري لرئيس المجلس البلدي فياض حيدر الذي خاض العقيد السوري عبد الله الحريري معركة وصوله إلى رئاسة المجلس البلدي في الدورة السابقة. لكن المشاكل لم تنتهِ مع إقفال صناديق الاقتراع وإعلان النتائج، إذ قمع مسؤول تيار المستقبل في البقاع الأوسط، أيوب قزعون، تحركاً للمجموعة المستقبلية التي كانت تنوي رفع لافتات تضامن مع أهالي غزة. ولم يتردد قزعون بتحذير أحد رجال الدين في البلدة من مغبّة الخروج بتظاهرة بعد الصلاة. وللتذكير، خرج أحمد الحريري بعد انتهاء انتخابات البقاع الغربي ليعلن الفوز في بلديات عدة سارع معظمها إلى إصدار بيانات تستنكر وضعها في سلّة المستقبل، ما يؤكد، بحسب أحد المتابعين، وقوع الحريري ضحية فاكسات لا يقلق مرسلوها إلا على مقاعدهم.

في النتيجة، أكدت الانتخابات الأخيرة أن استمرار تيار المستقبل على حاله اليوم هو أمر لا يفترض أن يطمئن آل الحريري، علماً بأن عدم وجود تنظيم حزبي فعّال يرمي الكرة مرة أخرى في ملعب أحمد الحريري، وهو مقرر اللجنة الخماسية التي تشرف على الانطلاقة الحزبية لتيار المستقبل، المشغول حتى الآن بإرسال المبعوثين إلى المؤتمرات التي تنظمها مؤسسة «فريدريش ناومان من أجل الحريـة» في ألمانيا للاطلاع على كيفية «تنظيم الأحزاب السياسية الحديثة»، والعودة بأفكار نيّرة.