//Put this in the section //Vbout Automation

تركيا أو الخيار الأميركي ــ الإسلامي الثالث – جان عزيز – الأخبار

قبل أشهر كان دبلوماسي أوروبي عتيق وخبير في زيارة ومهمّة في بيروت. في اليوم التالي لوصوله، قال لمضيفيه معتذراً: عليّ أن أنهي زيارتي فوراً، وأن أكون غداً في بلادي، ذلك أن أهمّ رجل في المنطقة يزورنا في الغد، ولن أفوّت فرصة لقائه أبداً…

في اليوم التالي كان الدبلوماسي الأوروبي مجتمعاً في عاصمة بلاده مع وزير الخارجية التركية، أحمد داود أوغلو…

كثيرون يسألون عن هذه المصادفة بين أن تكون الولايات المتحدة هي مَن لا يزال يملك العدد الأوفر من أوراق اللعبة السياسية في منطقة الشرق الأوسط، وبين أن تصير تركيا الدولة الأكثر بروزاً في هذه المنطقة بالذات. وعن هذا السؤال ثمّة قراءة تحاول الربط بين معطيي المفارقة ـــــ المصادفة المشار إليها، انطلاقاً من مقولة أن تكون تركيا اليوم ـــــ تركيا أردوغان وأوغلو وغول ـــــ الخيار الأميركي الثالث لمقاربة العالم الإسلامي.

ومقاربة العالم الإسلامي من المنظور الأميركي مسألة قديمة، عمرها من عمر نهاية الحرب العالمية الثانية. مع أنها تطوّرت من أن تكون «مسألة وسائليّة» عند نشأتها آنذاك، لتصير مسألة «هدفية» قائمة بذاتها، مع نهاية الحرب الباردة وسقوط «الجدار».

ففي النصف الثاني من الأربعينات، ومع سقوط دول المحور وبروز «الخصم الجديد» في موسكو، قيل إن خياراً أميركياً أول نشأ حيال العالم الإسلامي، ومفاده «الانخراط» تجاه بعض الدول الإسلامية لتطويق موسكو شرقاً. وقيل أيضاً إنه بعد تنامي الظاهرة القومية في الشرق الأوسط، وخصوصاً مع عبد الناصر بدءاً من الخمسينات، صار هذا الخيار أكثر وضوحاً وتبلوراً. لا بل صارت له جدويان اثنتان: احتواء «الأخ الأكبر» من ناحية الشرق، بعد احتوائه من الغرب عبر شبكة «الديموقراطية المسيحية» وريثة أنظمة ما قبل الحرب الثانية، واحتواء النزعة القومية المعادية للغرب في الدول المحيطة بإسرائيل في آن واحد…

هكذا، قيل إنّ هذا الخيار سرعان ما ترجم مؤسسات، مثل منظمة المؤتمر الإسلامي، وأنظمة مدعومة، من الرياض إلى عمّان. وتقول القراءة نفسها إنّ هذا الخيار الأميركي الأول استمر حتى أواخر الثمانينات، وإليه يعزو البعض حتى المناخ الذي سمح بالثورة الإيرانية في طهران سنة 1979…

لكنّ القراءة الأميركية الدقيقة سرعان ما أظهرت أن هذا الخيار لم ينتج إلّا دولاً ـــــ أعباءً على كاهل واشنطن، فيما هي تنوء بالدولة ـــــ العبء الأول عليها إسرائيل.

على خلفية هذا التقويم، قيل إنّ خياراً أميركياً ثانياً ظهر حيال العالم الإسلامي، ومفاده الذهاب بهذا العالم نحو الراديكالية، لا بل نحو أقصاها من أصولية وتشدّد وسلفيّة وتخلّف، مع الرهان على أن تتحوّل هذه التربة حقل ألغام للعالم الإسلامي، يكفي لتفجيره على تناقضين اثنين: التناقض المذهبي، والتناقض العرقي، بحيث يعقب نظام الثنائية القطبية في العالم، نظام أحادي، يجاوره مارد إسلامي مشغول بحروبه الداخلية العميقة والدائمة.

لكن، إذا كان الخيار الأول قد ترك لواشنطن أعباءً على كاهلها، فالخيار الثاني لم يلبث أن تحوّل شوكة في أكثر من خاصرة لها، قبل أن ينفجر في قلبها مع أحداث 11 أيلول 2001.
هكذا، بدأ البحث عن خيار أميركي ثالث. خيار قادر على التوفيق بين أهداف الخيارين السابقين، كما على تجنّب سلبياتهما و«عوارضهما الجانبية»، خيار يكون «دولة»، من دون أن تكون عبئاً في شرعية نظامها واستقراره واستمراره، ويكون «ديناً» من دون أن يكون «قاعدة». خيار قادر على توسّط التناقضين الإسلاميّين، المذهبي والعرقي، من دون أن يوحّدهما ضد الغرب، ولا أن يفجّرهما بما يؤذي مصالح الغرب…

وكانت تركيا النموذج المثالي لكل تلك المواصفات المطلوبة. وكان حزب العدالة والتنمية الوصفة السحرية لمعادلة الترياق المنشود. وإذا صحّت التركيبة، قد تصيب أكثر من هدف بحجر واحد: إرباك أوروبا، واحتواء روسيا ـــــ وخط باكو، تبليسي، جيهان للغاز وسيلة ممكنة ـــــ فضلاً عن مقاربة جديدة للعالم الإسلامي، صوب حلول مقبولة لكل أزماته مع الغرب، ولكل أزمات الغرب معه.

ماذا ينقص إسطنبول؟ بعض التلميع لصورتها شرقاً؟ ها هو علم فلسطين يكفيها عباءةً وراية، بعدما تركته كل الخيارات الأخرى مرميّاً على الأرض.

لم تفكر واشنطن في كل ذلك مسبّقاً؟ ربما. لكن من المؤكّد أنها قد تفكر فيه لاحقاً، ومن الآن فصاعداً.