//Put this in the section //Vbout Automation

في مسألة البحث عن الأكثر غباءً – جان عزيز – الاخبار

«لم أرَ في حياتي أغبى من اليمين اللبناني…». عبارة جديدة يضيفها وليد جنبلاط إلى قاموسه الإنسانوي الحافل، وإلى أدبياته المتجذّرة في الثقافة الغيرية والحقوقية الدولية. مع فارق واحد، أنّ في عبارته تلك مفارقة غريبة. والمفارقة كامنة في أنّ عبارة البيك الواحدة تحتمل الوجهين معاً، فتحتمل الصواب، كما الخطأ.

صحيح أن اليمين اللبناني غبيّ، وصحيح أكثر أن هذا التقويم لم يخترعه وليد جنبلاط، إذ سبقه إلى قوله كمال يوسف الحاج، فكتب منذ مطلع السبعينات أنّ اليمين اللبناني بلا فكر.

وصحيح غباء اليمين، بالمعنيَين. بمعنى اليمين، وبمعنى الغباء. ذلك أن أبسط تعريف سياسي حديث لمفهومَي اليمين واليسار في براكسيس العولمة الراهنة، هو في التمييز بين القوى المحافظة على النظام ـــــ أيّ نظامٍ كان ـــــ والقوى الداعية إلى التغيير، أيّ تغييرٍ كان. هكذا كان اليمين اللبناني غبياً لحظة الاستقلال، يوم لم يدرك ضرورة تكييف دولة الانتداب مع دولة ما بعد زواله وجلائه. وكان غبياً في المحطّات الثلاث للقفز فوق الجغرافيا السياسية. في عام 1958 مع مشروع أيزنهاور، وفي عام 1982 مع مشروع ريغان، وفي عام 2005 مع مشروع بوش الابن، رغم ضآلة مَن بقي منه في تلك المحطة الأخيرة. وطبعاً وخصوصاً أنّ غباء اليمين اللبناني كان صحيحاً وجليّاً منذ أواخر الستينات حتى منتصف السبعينات، يوم لم يقرأ متغيّرات بيروت أبو عمار ودمشق الأسد وقاهرة عبد الناصر وما بعده وعمّان الحسين قبل أيلول 1970 وبعده، ولم يقرأ أبجدية الانفجار في الأوطان والانهيار في الجماعات، فوصل إلى 13 نيسان 1975.

كلّ تلك المحطات تؤكّد الغباء المزدوج لليمين اللبناني. غباؤه في عدم إدراكه أنه لم يعد «يميناً»، إذ لم يعد في النظام، وغباؤه في أنه لم ينجح في أن يكون «يميناً»، أي محافظاً على نظامه. حتى عندما اندثرت كل مقوّمات تلك المفاهيم، من دولة وكيان وميثاق وصيغة، ظلّ اليمين اللبناني متشبّثاً بأوهامه المتخيّلة وبأساطيره المؤسِّسة، من الرئاسة والجيش والقومية، انتهاءً بسعيد عقل وفيروز والأرقام القياسية المعروفة…

مرّة واحدة في تاريخه المعاصر، كان هذا اليمين على موعد مع حركة جديّة وجذرية لإصلاحه. مرّة واحدة، جاءه رجل من صلبه، من رحم مؤسّساته، من جوهر وجدانه، ليصوّب الاتجاه. من رأس المؤسسة العسكرية «المؤسطرة» بمفهوم هذا اليمين، ومن قلب جبل لبنان «المتدولِن» بمنظار هذا اليمين، ومن عمق إيمانه المسيحي الإنساني العالمي، «المتطيّف» و«المتمذهب» في ممارسة هذا اليمين… من كل تلك خرج ميشال عون إلى الأفق الأرحب والمدى الأوسع. خرج إلى ثوابت الانتماء إلى المحيط، وقناعة الالتزام بقضاياه العادلة والمحقّة، وقدرة إلزام أكثرية شعبية ووجدانية بالمسار السويّ.

في تلك اللحظة بالذات، غاب وليد جنبلاط، وغاب مرة واثنتين وثلاثاً. عند استحقاق عام 2005، وعند تفاهم 6 شباط 2006، وعند استحقاق عام 2009 مجدّداً.

لا بل لم يكتفِ البيك بالغياب ثلاثاً، بل أيضاً وأكثر، وفي المرات الثلاث، كان حاضراً في صفّ اليمين، وكان حضوره حاسماً في المرات الثلاث، لترجيح كفّة اليمين، في منع التغيير و«إبقاء القديم على قِدمه»، كما كتب أجداده عبارتهم الشهيرة زمن القائمقاميّتين والمتصرفية.

ليس الأوان بالطبع لفتح الدفاتر العتيقة وجردات الحساب غير المقطوعة وتسجيل النقاط على الرمال المتحركة قبالة بحر العواصف. غير أن الأمور يجب أن تقال والحقائق يجب أن تدوَّن. وفي هذا السياق يقتضي الإقرار والاعتراف بأن أيّ قضم أو محاولته لموقع ميشال عون، هو بالتمام والتطابق، مثل قصف العمق الاستراتيجي الخلفي لجبهة التماسك الوطني الملامس الإجماع، منذ قيام الحكومة الحالية. ولا تصلح حتى الحقوق الطبيعية والضرورية للبشر الفلسطينيين، وسيلة لتنفيذه، فكيف بها ستاراً للتغطية على تصويت في مجلس الوزراء بالأمس القريب، أو على فرضيات انتظار لرهانات غد ممكن. لم نرَ قطّ مَن هو أكثر غباءً من اليمين اللبناني؟ مَن يقدر على الجزم في الإجابة؟