//Put this in the section //Vbout Automation

الوطني الحر: هنا أخطأت، هنا أصبت – غسان سعود – الأخبار

بعد جولتين انتخابيتين وطنيّتين، وعدد من الاستحقاقات السياسيّة، حلّ التيّار الوطني الحر أول من أمس جميع الهيئات المناطقية والانتخابية، وأعلن بداية ورشة تقويم وإعادة بناء تأخذ في الاعتبار التجربة التي شهدت إخفاقات ونجاحات

لا يتمتع نعيم عون بـ«بروفايل» الوزير أو النائب. هو يختلف عن معظم «الوجهاء» في التيار الوطني الحر. يفضّل هذا الرجل قراءة الكتب المتخصصة ووضع الخطط المناسبة، مهما كان المشروع المنوي تنفيذه. ثم يلاحق تحقيق خطته: يسمع كل وجهات النظر، ويبدي تفهماً لكل الآراء قبل أن يأخذ الجميع، مرحّبين وسعداء، إلى حيث يريد، على طريقة عمّه العماد ميشال عون.

عملياً، لم يتغير شيء بين الأمس واليوم في تنظيم التيار الوطني الحر. كل ما في الأمر أن نعيم عون والمنسّق العام السابق للتيار بيار رفول نجحا عند تأليف لجنتي الانتخابات والمناطق في اختيار الأشخاص المناسبين لاستعادة ثقة «الوطنيين الأحرار» واستنهاض الحالة العونية. فقد نجح أعضاء اللجنتين المذكورتين خلال نحو أربعين يوماً فقط في تجاوز المشاكل بين الناشطين التياريّين، سواء المركزيّين أو في المناطق، واستقطبوا ناشطين يعتكفون في منازلهم منذ سنتين على الأقل، ما ترجم في استعادة العونيين حماستهم للعمل. وساعد على هذا الأمر ثلاثة عوامل إضافية: أولاً، إطلاق العماد ميشال عون أيدي الناشطين وحسمه موقفه لناحية الوقوف مع أصغرهم ضد أكبر زعيم محلي (يذكر هنا أن الرابية رفضت مثلاً التدخّل في بلدة عندقت العكارية إلى جانب عوني ضد آخر، رغم وجود مرشح قريب جداً من الوزير جبران باسيل). ثانياً، شعور الناشطين أنهم معنيون مباشرة بهذه الانتخابات، لأن فوز منافسيهم في بلداتهم سيعدّ خسارة شخصية لهم تؤثر على صورتهم. ثالثاً، تسريب المقرّبين من الرابية، عشية الانتخابات، تأكيداً عن إعادة النظر في الإدارة الحاليّة للتيّار فور انتهاء الانتخابات.

وفي النتيجة، خرج التيار الوطني الحر من هذه الانتخابات، بحسب بعض الناشطين، بنقاط إيجابية عدّة (داخلية لا سياسية)، أبرزها:

1ـــــ بروز قيادات مناطقية. من عايش الانتخابات البيروتية مع نائب رئيس مجلس الوزراء السابق عصام أبو جمرة، وعاشها أمس مع زياد عبس، اكتشف أن هناك من يعرف كيف يحرك الناشطين ويشعرهم أنه واحد منهم، فيبقى هؤلاء على الأرض ليلاً ونهاراً لتحقيق اختراق ممكن. ويكفي الاستماع إلى العماد ميشال عون يتكلم عن النائب زياد أسود والناشط في التيار خليل حرفوش ليشعر سامعه بنتائج الانتخابات في جزين، بالنسبة إلى نظرة عون إلى أسود وحرفوش. أما في عاليه، وخصوصاً في بحمدون، فأثبت أنطوان نصر الله أنه قادر، إذا شُغل عن الإعلام ببعض المتابعة الميدانية، على أن يكون المرشح الأرثوذكسي العوني في هذا القضاء. بدوره، تسلم عضو لجنة الانتخابات رولان خوري منطقة كسروان، حيث كان الانقسام بين العونيين قد بلغ ذروته، لكنه نجح بالرغم من أنه جبيلي لا كسرواني في لملمة صفوف التيار وتحقيق أفضل نتائج ممكنة.

2ـــــ نجاح العمل العوني الجماعي. في كل قضاء تألّفت لجنة انتخابات ضمّت أبرز المسؤولين في التيّار في هذا القضاء. ومرَّ تأليف هذه اللجان دون احتجاجات كما يحصل عند تأليف أية لجنة عونية عادة. ولاحقاً، أثبتت هذه اللجان أنها ليست حبراً على ورق، فاجتمعت وبحثت في تفاصيل كل قرية وسط نقاشات صاخبة، تخللها سماع وجهات نظر العونيين في هذه القرى، قبل أن تتخذ القرارات بالإجماع.

3ـــــ إثبات التيار أن لا عقدة لديه تجاه الفعاليات المناطقية والعائلية، ولا عقدة لدى هذه الفعاليات من التعاون مع التيار. فأساس التوافق في مدينة جونية كان الاتفاق الأوّلي بين آل افرام والتيار. وفي مدينة البترون، التزم التيار بدعم رئيس المجلس البلدي مرسلينو الحرك، معترفاً بحيثيته. وفي مدينة شكا، كان اتفاق بين التيار ورئيس المجلس البلدي القوي فرج الله كفوري، الذي أصرّت قوى 14 آذار على مواجهته، مع الأخذ في الاعتبار أن استعانة التيار في لجان الانتخابات ببعض المؤيّدين لعون، غير الملتزمين بالتيار، أفادته في مناطق عدة كعكار مثلاً؛ فقد ضمّت لجنة الانتخابات هناك شكيب عبود، العوني غير الملتزم حزبياً، الذي جيّر معرفته الوطيدة بالتوازنات داخل القرى العكارية لمصلحة التيار، فتمكّن الأخير من حسم معارك عدة كان يفترض أن تكون صعبة.

4ـــــ توازن الانتشار العوني على امتداد البلدات المسيحية في كل لبنان؛ فبعدما كانت الشهرة للمتن وبعبدا، ثبت أن حجم النفوذ العوني هو نفسه في البلدات المسيحية في جزين، كما في الشوف وعاليه والبقاع الغربي وعكار والضنية وغيرها. والجدير ذكره هنا أن تغيّراً طرأ على الذهنية العونية. فبعدما كان الناشطون العكاريون والجزينيّون ينتقلون إلى جبل لبنان لنصرة رفاقهم دون أن يبادلهم هؤلاء بالمثل، كان يمكن في هذه الانتخابات إيجاد ناشطين جبيليين يعرضون خدماتهم في بلدة عندقت العكارية، وناشطين كسروانيين يقضون ليلة السبت الماضي في بلدات الكورة.

في المقابل، هناك مجموعة نقاط سلبية، أهمها:

1ـــــ وجود نواب يضرّون أكثر مما يفيدون: فبعيداً عن نواب بعبدا وجزين، أدى معظم النواب دوراً سلبياً. فالنائب نبيل نقولا اندفع إلى تحالف مع النائب ميشال المر. أما زملاؤه، للمرة الثانية على التوالي، إدغار معلوف وغسان مخيبر وسليم سلهب، فبدت حيثياتهم أصغر من بلداتهم. بدوره، النائب إبراهيم كنعان خسر اثنين من معاركه الأساسية في سن الفيل وأنطلياس. وبالانتقال إلى كسروان، خسرت اللائحة المدعومة من التيار في بلدة النائب نعمة الله أبي نصر ـــــ شننعير. وعجز النائب يوسف الخليل عن رعاية توافق في بلدته ميروبا، التي لم يحقق فيها التيّار النتيجة المأمولة. وفي جبيل، تبيّن أن النواب الثلاثة (اثنان منهما حارب أحدهما الآخر في صناديق الاقتراع) يعتقدون أن رئيس الجمهورية سيكون ناخباً أساسياً عام 2013، فأعدّوا عبر الانتخابات البلدية لمعاركهم النيابية المقبلة.

2ـــــ فراغ قياديّ: في بيروت، قبض زياد عبس ونقولا الصحناوي على القرار، بالتنسيق مع العماد عون ولجنة الانتخابات. ومثلهما فعل رولان خوري في كسروان وزياد أسود في جزين وسليم عون في زحلة وجورج عطا الله في الكورة ومالك أبي نادر في بشري وسيزار أبي خليل وأنطوان نصر الله في عاليه وجورج موراني في طرابلس. أما في الشوف والمتن وعكار، فبدا أن التيّار يفتقر إلى قيادي، قريب من القاعدة، يجرؤ على الموافقة في المفاوضات والرفض دون العودة في كل شاردة وواردة إلى قيادته. وتبيّن أن بعض «وجهاء» التيار في الشوف أضرّوا بالتيار أكثر بكثير مما أفادوه في السنوات الأربع الماضية، ولم يتردد أحدهم في تأييد خصوم التيار في إحدى البلدات الشوفية. أما في المتن، فثبت أن الذين يعتقدون أنهم أهم من الفعاليات يعجزون عن الفوز في بلدتهم. وفي عكار، برز الغياب الكلّي للقيادي العوني الحازم في قراراته. ففي بلدة منسّق عكار جيمي جبور ـــــ
القبيّات، «دوخ» التيّار نفسه: خلال شهر واحد، استدرج عروض النائب هادي حبيش ورفضها، فشل في الاتفاق مع النائب السابق مخايل الضاهر، فقرر الذهاب وحده إلى الانتخابات، قبل أن يعود قبل بضعة أيام ويوافق على لائحة ثلاثية الرؤساء.

3ـــــ عدم وجود كوادر وسطية: أظهرت الانتخابات أن في التيار من يصلحون للنيابة والوزارة ومن يصلحون للتزمير والتطبيل، لكن لم يجرِ إعداد من هم مؤهلون لرئاسة مجلس بلدي، ما يفرض على التيار أن يبدأ باكراً بمعالجته عبر اختيار الأشخاص المناسبين والبدء بتسويقهم، علماً بأن تحديد المرشحين مسبقاً يوفر على التيار نصف المسافة إلى المجالس البلدية، وتجربة رئيس بلدية الحدث الجديد جورج عون الذي أعدّ لانتصاره منذ سنوات عدة غنيّة بالعبر.

4ـــــ وجود منسّقين محليين فاشلين: تبيّن أن بعض منسّقي التيار في البلدات لم يثبتوا أنفسهم، لا داخل مجموعاتهم ولا على مستوى قراهم، في السنوات الأربع الماضية، فجرى تجاوزهم في المفاوضات.

5ـــــ عدم وجود عصب عونيّ جامع. في معظم بلدات قضاء البترون التي خسرها التيار الوطني الحر، انقسم الملتزمون بالتيار بين اللوائح المتنافسة، كأن ولاءهم العائلي أو القروي يتقدم على ولائهم الحزبي. في بلدتي شدرا وعندقت العكاريتين، انقسم العونيون بين لائحتين، وذهبوا في انقسامهم حتى النهاية، رغم دخول طرف ثالث على الخط، يستفيد من انقسامهم. في بلدة سن الفيل، انتخبت مجموعة عونية كبيرة، على خلفية عائلية، اللائحة المدعومة من حزب الكتائب والنائب ميشال المر، لا اللائحة المدعومة من التيار الوطني الحر، رسمياً.

6ـــــ الغباء السياسي لبعض الهيئات: في كسروان أصرّ بعض الناشطين في التيّار على خوض معارك عدّة كانوا في غنى عنها، مثل المعركة الخاسرة ضد رئيس بلدية زوق مكايل نهاد نوفل، القريب من العماد ميشال عون. وفي بلدة طبرجا، رفضت هيئة التيار عرضاً مغرياً تقدم به المرشح جورج البواري، ليخوض التيار منفرداً معركة أظهرت حضوره هزيلاً. في مدينة جبيل، اختير مرشح يمضي منذ ثلاث سنوات غالبية وقته خارج لبنان لمواجهة مرشح يمضي منذ ثلاث سنوات غالبية وقته متنقّلاً من منزل جبيلي إلى آخر. في تنورين صدّق التياريّون أن النائب بطرس حرب سيمنحهم، بمحبة أبوية، شراكة في المجلس البلدي، ففوجئوا في اللحظات الأخيرة بحرب يغسل يديه من أي اتفاق معهم، فضلاً عن أن هناك هيئات، كهيئة الحدث مثلاً، أعدّت للانتخابات البلدية منذ أُقفلت صناديق الاقتراع النيابية كأنها حاصلة غداً، فحصدت فوزاً كبيراً. في المقابل، هناك هيئات تصرّفت حتى فتح صناديق الاقتراع البلدية والاختيارية، كأن الانتخابات مؤجلة حتماً.

بين المراكمة على الإيجابية والاتعاظ من السلبيات، حُلّت أول من أمس جميع الهيئات المناطقية والانتخابية في التيار الوطني الحر، واستُدعي المهندسون ليعاد رسم خرائط تبني على أنقاض التجربة التنظيمية غير الموفّقة، تجربة جديدة.