//Put this in the section //Vbout Automation

الأوديسه اللبنانية – احمد عياش – النهار

رائعة شاعر اليونان الكبير هوميروس الذي منح الانسانية فرصة السفر في عالم الخيال والبطولات التي كان مسرحها البحر المتوسط قبل آلاف السنين، لم تلهم حتى الآن المخيلة في متابعة ما يدور في هذا البحر هذه الايام من أحداث آخرها حركة السفن الانسانية التي تسعى الى كسر الحصار الاسرائيلي على غزة. ولعل السبب يعود الى ان المسافة الزمنية القريبة تعطل الخيال وتحرّك العقل الناقد الذي يسعى الى كشف حقيقة ما يدور على مسرح الاحداث.

لا أحد يعلم حتى الساعة كيف ستنتهي محاولة إبحار سفينة أو أكثر من لبنان للتضامن مع غزة. المعلوم فقط أن اسرائيل هدّدت. وبالطبع لن تمارس "انسانية" تقلّ عن تلك التي مارستها في حق سفينة "مرمرة" التركية.




لا جدال في حق كل من يريد نصرة فلسطين عموماً وغزة خصوصاً. وفي الوقت نفسه ثمة من يقول: لماذا لا يجري نصرة أهل فلسطين في لبنان الذين يتكدسون في مخيمات يتمنّى ساكنوها لو ان أحوالهم مماثلة لاهلهم في القطاع المحاصر؟ أحد النواب لم يرد أن يشهر اسمه يقول لي: لماذا لا تقوم مبادرة لادخال كيسين من الاسمنت الى داخل عين الحلوة حيث الحاجة ماسة الى مواد البناء؟

السؤال يأتي والضجة لا تزال قائمة بعد اقتراحات القوانين التي دفع بها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الى مجلس النواب قبل أيام من أجل توفير الحقوق المدنية للاجئين الفلسطينيين في لبنان. هذه الحقوق، بسبب التباين حول محتوى الاقتراحات وظروفها وتوقيتها، تكاد تصبح منسية ليبقى مكانها الضجيج فقط.

لا بأس من استعارة اساطير هوميروس لعل فيها ما يعين على فهم الأوديسه اللبنانية: انها تقول ان المرفأ المنشود دونه أعوام وأهوال.

والفلسطينيون مثل اللبنانيين ذاقوا الامريّن في رحلة الوطن التائه في بحر لعبة الأمم. من يريد أن يوصل الفلسطينيين الى حقوقهم سيحقق هدفه عبر وصول لبنان الى حقوقه، وأولها أن يصبح وطناً كامل السيادة على مقدراته. العلامة على قيام هذا الوطن ان تكون فيه دولة ما زالت مشروعاً في جدول أعمال الصراع الدائر في المنطقة. ومن الامثلة، الارتياح العارم لولادة مشروع موازنة لسنة انقضى نصفها. وهذا أمر لا مثيل له في المنطقة.

لكل الأمكنة في العالم أبوابها إلا في لبنان، حيث هناك مشروع بوابة. ادخال السلاح الى "حزب الله" لا يحتاج الى إذن. ومثله السلاح الى ما اصطلح على تسميته مناطق خارج المخيمات الفلسطينية المعترف بها رسمياً. إبحار سفن التضامن مع غزة لا يحتاج الى إذن من دولة المنطلق، علما ان المثال التركي الذي حرّك العالم وراءه دولة قوية مستقرة منذ عشرينات القرن الماضي.

حتى تصبح هناك بوابة للبنان، كل المبادرات مشروعة وحتى ولو لم تؤد الى الهدف الذي تنشده. ومثلما حرك الوجود الفلسطيني عام 1975 حرباً أهلية، ها هي اليوم الحقوق المدنية للفلسطينيين تحرّك انقساماً أهلياً. ويسألونك عن السبب، وهو ظاهر مثل الشمس. انه الفراغ الناجم عن غياب الدولة التي يلهو الجميع في غيابها. وحتى تعود، لنبقَ مع اساطير اليونان.