//Put this in the section //Vbout Automation

البحر «الأحمر» المتوسط: القضية تتكلم تركي! – عادل مالك – الحياة

«عرف اليهود مدة ألفي سنة قدرة القوة ولكن على ظهورهم فقط بجلد السوط. ونحن نملك القوة في عشرات السنين الأخيرة، وهذه القوة تسكرنا مرة بعد مرة، ويبدو لنا مرة بعد أخرى أن كل مشكلة تواجهنا قد تحل بالقوة. إن من يحمل بيده مطرقة كبيرة، كما يقول المثل الشعبي، تبدو له كل مشكلة مثل مسمار… إن قدرة القوة في أن تمنع فقط خراب إسرائيل واحتلالها… وكل محاولة لاستعمال القوة لا لمنع ولا لحماية النفس بل لتحطيم المشكلات ستجلب علينا كوارث أخرى من نوع الكارثة التي جلبناها على أنفسنا في المياه الدولية في البحر المفتوح إزاء شواطئ غزة».

هذا التوصيف ليس لنا ولا لأي كاتب عربي، بل هو للكاتب الإسرائيلي عاموس أوز في صحيفة «هآرتس»، تعليقاً على القرصنة التي قامت بها إسرائيل ضد «أسطول الحرية» في المياه الدولية، فقتلت من قتلت واعتقلت من اعتقلت وأثارت عاصفة عالمية لا تزال أصداؤها تتواتر في العالم القريب والبعيد.




وحول كل ما جرى ما الذي يمكن أن يقال؟

أولاً: لقد برز رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان متقدماً مسيرة «أسطول الحرية» ومستعيداً أمجاد السلطنة العثمانية ليضع كل الأطراف الأخرى المعنية مباشرة بفك حصار غزة، وبالقضية الفلسطينية ككل، في مواقع متخلفة نسبياً!

وظهر «السلطان أردوغان» أمام مجلس النواب التركي في خطابه الناري وكأنه محرر فلسطين والمدافع عن الحقوق العربية والفلسطينية بوجه الاحتلال الإسرائيلي. ولم يسبق لأي رئيس وزراء تركي أن استخدم التعابير التي استخدمها أردوغان في خطابه، ومن ذلك قوله: «لقد تعبنا من أكاذيب إسرائيل… وأن قادة إسرائيل أظهروا من جديد للعالم أنهم يعرفون القتل جيداً… وأن الهجوم الوقح وغير المسؤول على السفينة التركية ينتهك القانون ويدوس على الكرامة الإنسانية». وأضاف: «إن تركيا ليست دولة يتيمة يمكن أكل حقوقها. وبقدر ما تكون صداقة تركيا قوية فان عداوتها أقوى».

ثانياً: بعد كل هذا الكلام الصاخب عادت القضية إلى مجلس الأمن الدولي الذي أصدر إدانة باهتة للحادث ودعا إلى إجراء تحقيق «محايد وشفاف».

وكعادة قرارات مجلس الأمن لم تشر إلى إسرائيل بالاسم، ليتضح من جديد أن العالم كله في كفة وإسرائيل والولايات المتحدة في كفة أخرى، حيث عارض المندوب الأميركي إجراء تحقيق دولي، وطالب بتحقيق إسرائيلي!

ثالثاً: إن التصعيد الذي بلغته العلاقات التركية – الإسرائيلية يؤكد أن العلاقات بين البلدين بعد حادث القرصنة على «أسطول الحرية» لن تعود إلى سابق عهدها، الأمر الذي يطرح السؤال: إلى أين تتجه العلاقات بين أنقرة وتل أبيب؟

يجيب وزير الخارجية التركي الدكتور أحمد داود أوغلو نفسه بالقول: «لقد حان الوقت كي يحل الهدوء محل الغضب وفي الرد على إسرائيل ينبغي أن يتجنب الناس السلوك الانفعالي». وكان في كلام الوزير أوغلو دعوة إلى التهدئة بعد الخطاب الناري الذي ألقاه رئيس الوزراء أردوغان وحالة الاستنفار السائدة في تركيا، إضافة إلى ردود الفعل الدولية.

رابعاً: وحتى لا تضيع القضايا المحورية لأساس الصراع في الحملات الإعلامية يجب التذكير بأن استمرار الحصار على غزة هو القضية الأساس، وحسناً فعلت مصر بفتح معبر غزة حتى لا يبقى الفلسطينيون محاصرين في قطاع غزة. على أن القضية الأكثر إلحاحاً والأكثر إحراجاً هي قضية الخلافات الفلسطينية – الفلسطينية وتجدد الكلام عن ضرورة عقد مصالحات بين فلسطينيي غزة وفلسطينيي رام الله، على رغم كل ما يرافق علاقات الجانبين من حملات باتت معيبة ومهينة لكل فلسطيني وعربي.

خامساً: في الحديث عن الخروج من المأزق تطرح عدة محاولات منها ما عرضه الكاتب الرئيسي في صحيفة «الواشنطن بوست» ديفيد اغناثيوس، حيث يقول: «تتضمن الوصفة الديبلوماسية الصحيحة الأمم المتحدة وهي مؤسسة ترتاب منها إسرائيل عادة لأسباب وجيهة، فقد عجزت إسرائيل عن حل فوضى غزة بنفسها ويجب أن تتحول حالياً إلى مجلس الأمن للحصول على مساعدته ويبدأ ذلك بتحقيق تجريه الأمم المتحدة في شأن ما حدث قبالة الساحل الإسرائيلي وربما تكون الخطوة المقبلة دوراً أكبر للأمم المتحدة في إعادة بناء غزة مع إجراءات معينة حقيقية ضد استيراد الأسلحة، وتحتاج إسرائيل إلى تبني منحى جديد، ففي بعض الأحيان يكون التدويل الوسيلة المثلى لإدارة مشكلة صعبة».

سادساً: خلال توجه وزير خارجية تركيا أحمد داود أوغلو إلى الاجتماع بوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، وكان بادي الغضب، قال: «نفسياً هذا الهجوم بالنسبة الى تركيا هو مثل 11 أيلول»، (إشارة إلى الهجمات على نيويورك وواشنطن). وأضاف: «يجب ألا يكون الاختيار بين تركيا وإسرائيل بل يجب أن يكون الخيار بين الخطأ والصواب… ما أقدمت عليه إسرائيل عمل إجرامي ولا توجد حاجة لإجراء تحقيق لإثبات ذلك».

إذن… تركيا هي الآن في مقدم دول المواجهة مع إسرائيل والتنسيق العربي – التركي يجب أن يتخذ أبعاداً جديدة وجادة في ضوء ما حدث. فالعرب بحاجة إلى حليف قوي كتركيا، وتركيا تحتاج لـ «توظيف» الخلاف مع إسرائيل لتحقيق «إثبات إقليمي ودولي» في مواقفها. فهي بالإضافة إلى استثمار القرصنة الإسرائيلية ضد «أسطول الحرية»، أصبحت عضواً فاعلاً في تكتل إيراني – برازيلي – تركي في وجه الولايات المتحدة والدول الكبرى العاملة على استصدار قرار جديد من مجلس الأمن الدولي لفرض المزيد من «العقوبات الموجعة» على إيران. وقد تم تحديد 21 حزيران (يونيو) الجاري للتصويت على هذه العقوبات. وسيخضع هذا القرار للعديد من حالات التجاذب بين الأخذ والرد قبل التوصل إلى إجماع الدول الخمس الكبرى من دون لجوء أي دولة إلى حق النقض أو (الفيتو). والسؤال يتمحور حول الموقف الصيني، الرافض لفرض عقوبات، إضافة إلى التحول الجديد في الموقف الروسي بعد المشادات الإعلامية بين موسكو وطهران حول هذا الموضوع، فهل تضحي روسيا بعلاقاتها المصلحية والاستراتيجية مع إيران مقابل مقايضة معينة مع الولايات المتحدة؟

كل شيء وارد في لعبة المصالح بين الدول الكبرى.

وبعد… لقد خضب العدوان الإسرائيلي البحر الأبيض المتوسط بدم أتراك وأبناء جنسيات أخرى متعددة جمعها الدفاع عن الحق بوجه العدوان، ومهما طالت العربدة الإسرائيلية فهي لن تقوى على أرادة شعب بل شعوب متضامنة معها من كافة أرجاء العالم.

القضية تتكلم تركي. شكراً تركيا… وحملة كسر حصار غزة يجب ألا تتوقف عند كل ما حدث على أهميته وخطورته.

إن أحداث الأيام الأخيرة تستحضر التاريخ القديم: هل يمكن العودة إلى الآستانة وإلى الدور السلطاني التركي؟ أم أن الدور العربي في الصراع التاريخي مع إسرائيل سيبقى في الدوامة المعروفة؟