سوريا تتدخل للجم الخلاف الروسي – الإيراني؟ – سليم نصار – النهار

فجأة، شن الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد، حملة سياسية ضد روسيا متهماً الرئيس ديمتري ميدفيديف بالخضوع للضغط الاميركي.
وتساءل نجاد في معرض انتقاده الموقف الروسي المؤيد لمشروع قرار فرض عقوبات على بلاده، ما اذا كانت الجارة الكبرى صديق أم عدو؟
وقال في كلمة بثها التلفزيون، ان الرئيس الروسي لم يتصرف بحكمة تجاه أمة عظيمة مثل ايران، ثم رفع لهجته مهدداً ومطالباً موسكو بضرورة مراجعة موقفها الخاطئ.

الرد السريع والمباشر على اتهامات أحمدي نجاد، جاء على لسان كبير مستشاري وزارة الخارجية سيرجي بريخودكو، الذي دعا الرئيس الايراني الى التوقف عن ممارسة "الديماغوجية السياسية". وقال ان مصالح جميع شعوب روسيا العظمى هي التي تؤخذ في الاعتبار، بعيداً عن الانحياز لاميركا أو إيران!




ويُستدل من سلسلة التنازلات التي قدمتها واشنطن لموسكو، ان الرئيس أوباما كان مصرّاً على استخدام مختلف الوسائل الاقتصادية والاستراتيجية، تحاشياً لأي نزاع مسلح بين اسرائيل وايران. وفي تصوره ان طهران قد  توظف الهجوم على مفاعلاتها النووية، لاشعال المنطقة من لبنان الى افغانستان، بواسطة حلفائها. خصوصاً ان ايران تعتبر نفسها متساهلة في موضوع التخصيب، كما انها مضطرة الى نسف اقتراح العقوبات من طريق منح "هديتها السياسية" لتركيا والبرازيل لا للولايات المتحدة.

المصادر الرسمية التركية فوجئت بمضمون العقوبات بعدما تعاونت مع البرازيل من اجل التوصل الى اتفاق سريع يلغي هذه العقوبات. كذلك كانت تتوقع الترحيب من قبل مجموعة فيينا، أي الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا والوكالة الدولية للطاقة الذرية. والمعروف ان هذه المجموعة كانت قد تقدمت قبل سبعة أشهر، باقتراح رفضته ايران. ويتناول الاتفاق ايداع 1200 كيلوغرام من الأورانيوم المخصب بنسبة منخفضة عند تركيا.
الولايات المتحدة اقترحت جولة رابعة من العقوبات مدعية ان الاتفاق لم يشر الى الأورانيوم المخصب بنسبة 20 في المئة الذي انتجته ايران سابقاً. كما لم يذكر أي شيء عن الجهة المولجة بانتاج اعمدة الوقود… أو بالجهة المكلفة بالسيطرة على العملية.

يقول الخبراء ان ايران تملك نحواً من 2,300 كيلوغرام من الأورانيوم المخصب بنسبة منخفضة، الامر الذي يترك لها كمية كافية لبناء رأس ذرية في حال نُقلت الكمية المطلوبة الى تركيا. وهذا ما يفسر موافقتها على نقل الكمية التي يطلبها مجلس الأمن الى تركيا. لذلك استغلت واشنطن هذه الثغرة التقنية لترفض الاتفاق.

يقول الرئيس ميدفيديف انه اقترح في السابق خطوة بناء الثقة بين ايران والدول الغربية، من طريق نقل الكمية المطلوبة من الأورانيوم المخصب بنسبة 3,5 في المئة الى روسيا وفرنسا. ولكن طهران رفضت الاقتراح في حينه، بينما هي اليوم تكلف تركيا بالمهمة ذاتها. ومعنى هذا انها هي التي إمتنعت عن تجربة الخيار الروسي.

ويرى المحللون ان هذا السبب المعنوي لا يمكن أن يشكّل الدافع الحقيقي لاهانة القيادة الروسية وتحذيرها. وربما عبّر الرئيس نجاد عن خيبة أمل مرشد الثورة علي خامنئي الذي وفر الفضاء الروسي من تدخلات أنصاره في الشيشان وداغستان وانغوشيا واوسيتيا الشمالية.

أي أنه امتنع عن دعم الحركات الانفصالية داخل روسيا الاتحادية، ورفض مساعدة الاقليات المتمردة. ويتوقع المراقبون أن تتراجع القيادة الايرانية عن اعتماد سياسة حسن الجوار مع روسيا التي رأت فيها طهران مصدراً للتسلح، وشريكاً دائماً في إبعاد نفوذ اميركا والغرب عن تلك المنطقة.
اذا كانت مصالح روسيا هي التي تملي على قيادتها مبادئ السياسة الخارجية، كما يقول الناطق الرسمي، فإن تحديد هذه المصالح يساعد على استكشاف مستقبل الازمة الايرانية – الروسية.

أولاً- بالرغم من اتساع حجم العلاقات التجارية – الاقتصادية، إلا أن الدولتين لا تطمئنان الى استمرار تعاون نظامين مختلفين. ويبدو ان السبب الذي يجمعهما يتمثل في ضرورة ابعاد النفوذ الاميركي عن محيطهما.

ثانياً- تسعى اسرائيل الى اضعاف علاقة طهران بموسكو، خصوصاً ان التحركات السابقة في أوكرانيا وجورجيا وقرغيزستان، لاقت الصدى المستحب في الصحف الاسرائيلية. لهذا السبب ولسواه يتطلع بوتين الى الثقل السياسي الذي يمثله أكثر من مليون ونصف مليون مهاجر من روسيا والاتحاد السوفياتي. وعليه يرى انه من المصلحة الامساك بعصا التعاون من طرفيها الايراني والاسرائيلي.

ثالثاً- تتعامل روسيا مع ايران بكثير من الحذر والتأني، والسبب أن وجود دولة راديكالية كثيرة العداوات على الحدود، يمكن أن يغري حركات الانفصال داخل روسيا. في الوقت ذاته، فإن وجود جارة مستقرة سياسياً وأمنياً واقتصادياً، يمكن أن يغري الولايات المتحدة وأوروبا بالاقتراب منها والابتعاد عن جارتها روسيا، كما حدث في عهد الشاه.

رابعاً- تحاول روسيا منذ مدة لعب دور متوازن مع ايران، داخلياً وخارجياً. وقد برز هذا الدور بجلاء اثناء الانتخابات الاخيرة  عندما أيدت موسكو النتائج التي أظهرت فوز أحمدي نجاد. وعلى الفور نادى المتظاهرون بـ"الموت لروسيا" حليفة الظلم والاستبداد. وعليه يرى بوتين ان بلاده قد تدفع ثمناً باهظاً في حال تغيرت المجموعة الحاكمة. لذلك فضّل أن يلعب دوراً بعيداً عن الانحياز لأي طرف داخلي أو خارجي.

ومن الخلاف السياسي الراهن ينطلق سؤال مهم يتعلق باحتمال استئناف الحملات، ومدى تأثيرها على حليف الدولتين، أي سوريا؟!
يؤكد المراقبون في دمشق أن الديبلوماسية السورية ستسارع الى احتواء الخلاف، لأن اتساع الشرخ ينعكس بشكل سلبي على علاقاتها المميزة مع البلدين. خصوصا ان علاقات دمشق مع واشنطن لم تزل في المنطقة الرمادية الباهتة، و ان دور الصين في الشرق الاوسط لم يترسخ بعد كدور روسيا.

ويستفاد من تجارب سابقة ان بيجينغ كانت حريصة دائما على تفادي الازمات مع واشنطن خوفاً على مصالحهما المشتركة. وكثيراً ما كانت توظف الورقة الايرانية لتقوية موقفها التفاوضي مع الولايات المتحدة. صحيح ان ايران تأتي في المرتبة الثانية كأكبر مصدر للنفط الى الصين بعد السعودية… ولكن الصحيح ايضاً ان علاقاتها مع واشنطن تتقدم كل دول الاتحاد الاوروبي والشرق الاوسط مجتمعة.

الصحف الاميركية اعربت عن مخاوفها من مخاطر حشر ايران في زاوية العزلة الدولية، الامر الذي يفرض عليها التحرك في اتجاهات مختلفة. اي اتجاهات تلحق بالاذى بمصالح الدول المعادية لبرنامجها النووي مثل اسرائيل والولايات المتحدة. وقد يكون من السهل على "حزب الله" و"حماس" تحويل المناورات التي تجريها اسرائيل على الحدود الشمالية مع لبنان، حربا حقيقية افظع من حرب صيف 2006. كما انه من السهل عليها تحريك انصارها داخل العراق بحيث تمنع تشكيل الحكومة وتجبر القوات الاميركية على الانسحاب قبل موعدها. وتدعي واشنطن ان ايران تناست خصومتها مع "طالبان" افغانستان وراحت تزودها بالاسلحة وفرق التدريب من اجل فرض الانسحاب المبكر على القوات المشتركة، وربما يقودها احراج العزلة الى شل الخطوط البحرية قبالة مضيق هرمز، حيث تحمل الناقلات العملاقة ما نسبته 40 في المئة من احتياجات الطاقة المقدرة بـ17 مليون برميل يوميا. ويتردد في هذا السياق، ان حال الاستنفار القصوى قد أُعلنت في كل المواقع العسكرية الاميركية، من بينها قاعدتا الاسطول الخامس في البحرين وقطر.

الاسبوع الماضي نشرت صحف اسرائيل خبرا مفاده ان الرئيس الروسي ميدفيديف حمل رسالة من الرئيس شمعون بيريز الى الرئيس بشار الاسد يعرب فيها عن استعداده للتنازل عن الجولان مقابل وقف علاقة سوريا مع ايران.

وعلى الفور نشر مكتب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بيانا نفى فيه ان يكون قد كلف احدا ان يتنازل باسمه عن مرتفعات الجولان.

ومثل هذه الحادثة تعكس الى حد بعيد صورة التخبط الذي تعانيه الحكومة الاسرائيلية، إن على الصعيد الداخلي بين المسؤولين، او على الصعيد الخارجي في مواجهة اوباما وادارته. وبسبب خطورة الوضع في الشرق الاوسط طلب امين عام البيت الابيض رام ايمانويل، من نتنياهو القيام بزيارة خاصة للبيت الابيض يوم الثلثاء المقبل من اجل مناقشة السلام والامن الاقليميين. ويتوقع المراسلون في واشنطن ان يكون اقتراح بيريس على جدول الاعمال، وهو اقتراح يؤدي الى إحياء مشروع رابين للسلام مع العرب. ويرى بيريس ان تنازل نتنياهو عن احتلال هضبة الجولان، مثلما اقترح اربعة من اسلافه، يمكن ان يبعد سوريا عن ايران.

ومثل هذه المبادرة يمكن ان تكمل مشروع المبعوث الاميركي جورج ميتشل، وتهيء الفرص للوقوف الى جانب اوباما والابتعاد عن المتشددين من افراد طاقم حكومته. وربما استدعى هذا التحول ادخال ليفني في الوزارة. والغاية من كل هذا، كما وصفها بيريس، هو التوصل الى ردع ايران عن عرقلة المسيرة السياسية السلمية، ومنح الولايات المتحدة الفرصة لسحب قواتها من العراق، والانصراف الى مراقبة التسويات بين اسرائيل وجاراتها.

الرئيس بشار الاسد ابلغ زواره الكثير هذا الاسبوع، ان اسرائيل وحدها تقف عائقا ضد اقامة دولة فلسطينية مستقلة، وضد الانسحاب من الجولان ولبنان. لذلك هو يدعو الاسرة الدولية الى عزل اسرائيل لا عزل ايران، باعتبارها تمثل اداة التعطيل للمسيرة السلمية في الشرق الاوسط.

وفي مطلق الاحوال تبدو صورة الشرق الاوسط قاتمة ومعقدة ومرشحة للانفجار الواسع، بدءا من باكستان وانتهاء بلبنان. والقاسم المشترك بين هذه الدول هو العجز الفاضح عن ايجاد حلول عادلة ومرضية. وبسبب هذا العجز ترى فرنسا ان الحاجة الى استقرار سياسي، يقضي بضرورة ايجاد حلول جزئية في انتظار نشوء ظروف اكثر ايجابية للتقدم في اتجاه الحلول النهائية. ومعنى هذا ان المنطقة مرشحة للدخول في المجهول بسبب المراوحة وتصدع مبادرات السلام.

في رده على حملات التهويل استبعد امين عام "حزب الله" السيد حسن نصرالله، وقوع حرب قريبة في الشرق الاوسط. وقال في افتتاح متحف "معلم مليتا للسياحة الجهادية" ان اختيار الموقع يعتبر في حد ذاته رمزاً للمقاومة والصمود. وهو في رأيه الشاهد على احداث 2006، وان العدو سيظل يتذكر انكساره المدوي كلما اطل من الشريط الحدودي على ربوع الجنوب الآهل بالسكان والزاخر بالعمران…