غربة تشومسكي – ساطع نور الدين – السفير

كأنه خرج للتو من كتاب للتاريخ. يطل على القرن الحالي فقط للتذكير بأنه كانت هناك نخبة يهودية أميركية، وعالمية، صنعت أمجاد القرن العشرين، وأحلامه الكبرى، التي لم يبق منها سوى ذكريات وصور محطمة، وعالم يشعر أنه يدنو من يوم القيامة ويعدّ نفسه لملاقاة ربه بالنزوع الى التدين، الى أقصى اليمين، ويحكم على اليسار الذي أرسى في الماضي الكثير من القيم الأخلاقية باعتباره مجرد خطيئة ارتكبت في غفلة من الزمن.
غادر نعوم تشومسكي موقعه التبشيري، ليستقر في موقع المؤرخ لا أكثر. هو يحس أن الأرض تميد تحت أقدامه، بعدما فقد صلته باليهودية التي باتت تُختزل بحالة اضطراب نفسي ودولة هذيان سياسي. لم يعد يذكر أنه آمن يوماً بالفكرة الصهيونية، قبل أن ينتقل الى رحاب الليبرالية الأميركية العميقة التي تعرف باليسار الأميركي الحقيقي، الذي كان يمكنه أن يعثر بسهولة على قواسم مشتركة مع الحركة الاشتراكية، بل وأحياناً الشيوعية الأوروبية، وأن يعتبر نفسه حليفاً طبيعياً للكثير من حركات التحرر العالمية من فيتنام الى أميركا اللاتينية وصولاً إلى فلسطين.
لكنه فصل منسي من التاريخ. ليست أميركا اليوم هي تلك التي عرفها او تصورها تشومسكي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. الميل إلى اليمين لا يقتصر على الجمهوريين الذين يعيدون اكتشاف حدوده القصوى، لدى الحزب الديموقراطي وجمهوره ميول مشابهة أشد خطورة، هي التي انتجت الرئيس باراك اوباما وحددت جدول أعماله الذي لا يختلف كثيراً عن برنامج سلفه جورج بوش، ويحظى بتأييد جمهوري واضح. لعل العالم كان محظوظاً عندما تبين أن بوش رئيس معتوه وفاسد. لولا ذلك لكانت رئاسته بداية ظهور حركة فاشية أميركية تشبه الى حد بعيد الحركة النازية الألمانية في مطلع القرن الماضي. مع ذلك فإن أميركا اليوم عادت إلى تلك الحقبة، وهي تسير في اتجاه إنتاج هتلر أميركي.
أوهام القوة والعظمة أفسدت أميركا. الحرب على أفغانستان والعراق أفقدتها صوابها. ما تشهده إسرائيل اليوم من تحول نحو الدولة الدينية ليس سوى عارض جانبي للظاهرة الأميركية الجوهرية، حيث يتجمع اليهود الأرثوذكس ويؤسسون مجتمعاً عصابياً، لا يمكنه أن يتصالح مع نفسه، فكيف مع الفلسطينيين، ويقيم تلك الدولة الثنائية القومية التي كان يتوقعها تشومسكي في يوم من الأيام… لكنه بات يخشى من ضياعها لأنها تمس صورة اليهودي في جميع أنحاء العالم، وتعرضه لخطر جسيم عندما تستعر حروب الأديان الكبرى، وتكون الأقلية أو الأقليات اليهودية الهدف الأول والضحية الأولى.
لم يعد لتشومسكي جمهور واسع لا في أميركا ولا في إسرائيل ولا في فلسطين ولا في لبنان أو أي مكان في العالم. لا تزال نظرياته وأفكاره العلمية في اللغة وعلم النفس والاجتماع مادة دراسية أولى في مختلف الجامعات الكبرى. لكن آراءه السياسية فقدت بريقها، وفقدت صلتها بالواقع الأميركي والدولي. صارت أشبه بمحطة عابرة في الذاكرة اليهودية والأميركية والعالمية، يجري التوقف عندها بين الحين والآخر قبل المضي قدماً في استشكاف عالم مجنون، ليس للمفكر الثمانيني مكان فيه.