اقتصاد اللحظة السياسي – حسام عيتاني – الحياة

تأرجح الأسواق العالمية والعربية في الأيام الماضية دليل إضافي على عدم إنجاز خطط الإنعاش الأميركية والأوروبية ما رمى أصحابها إليه. وقفت في وجه أمالهم وطموحاتهم مشكلات أعمق من تلك التي أظهرتها بداية انهيار أسواق العقارات والأسهم و «المنتجات الفرعية» في أيلول (سبتمبر) 2008.

الجهود الأوروبية والأميركية حملت الأمم المتحدة على تحسين توقعاتها للنمو في العام الحالي فرفعت نسبته من 2.4 في المئة إلى ثلاثة في المئة في وقت كانت مؤشرات الأسواق الرئيسية تتراجع إلى مستويات شهر شباط (فبراير) الماضي لتطلق أصداء متشائمة في أسواق الخليج وآسيا التي لم تبرأ بعد من انتكاساتها الكبيرة.




خطط الإنقاذ والإجراءات التقشفية الصارمة المعلنة في الولايات المتحدة وأوروبا وضخ الأموال بأرقام فلكية لحماية المؤسسات الحيوية من السقوط تحت وطأة الضغوط والعجز والإفلاس، لا يبدو أنها كافية لإحداث صدمة نفسية تعيد الثقة إلى المستثمرين بإمكان العودة إلى المسار السابق من الأرباح، من جهة، وإلى الأجراء والعمال من خشية دفعهم ثمن «الإنقاذ» مزيداً من الاقتطاع من ضماناتهم الاجتماعية، على ما ظهر من الخطة اليونانية. وفيما تسعى الحكومات إلى انتشال «الروافع الكبرى» لاقتصاداتها الوطنية من الغرق كقطاع المصارف وشركات التأمين، يجري التغاضي عن تضخم التعويضات التي يمنحها كبار مدراء الشركات المفلسة أو المهددة بالإفلاس لأنفسهم في سلوك يتعارض مع الحد الأدنى من التعاضد الاجتماعي في أوقات الأزمات. ويعطي تصرف شركة «بي بي» النفطية حيال الكارثة البيئية في خليج المكسيك عينة عن العقلية الراسخة عند مديري الشركات الكبرى غير المبالين بمسؤوليات تتجاوز بأشواط تحقيق الربح لحاملي الأسهم.

ما يزيد الصورة تعقيداً وسواداً هو تراكم عوامل سياسية، قديمة وجديدة، تنطوي على تهديدات للأمن العالمي وبالتالي لمساعي إخراج الاقتصاد الدولي من عثرته. ولئن كان السلام في الشرق الأوسط، مصدر القسم الأكبر من النفط المستهلك اليوم، بعيد المنال، ففي ذلك دلالة على حدود قدرات الإدارة الأميركية في تنفيذ التزاماتها التي عبّر عنها الرئيس باراك أوباما في القاهرة قبل عام، وإشارة إلى أن الساحة الآن يحكمها المتشددون أصحاب جداول الأعمال القيامية والخلاصية، التي لا تتحقق من دون حروب ودمار.

ودخول التوتر في شبه الجزيرة الكورية عنصراً جديداً على خريطة النزاعات القريبة من الالتهاب، يترك انطباعاً أن الأدوار الصينية واليابانية والكورية الجنوبية التي يفترض أن تتلاقى على أرضية المصالح الاقتصادية (الضخمة) المشتركة لترسم طرازاً آسيوياً من الوفاق، ما زالت هشة وغير أهل للثقة، على خلاف كل ما حاولت بكين قوله في الأعوام العشرة الماضية. وترك كوريا الشمالية تؤدي دور صاعق التفجير في شرق آسيا مسألة تتجاوز مصالح الدول المعنية مباشرة بالموقف هناك، لتعيد طرح أسئلة عن معنى وجود دول غير مسؤولة وحكومات لا تستجيب سوى لمنطق حكامها المعزولين والغرباء عن حقائق التداخل العالمي. غني عن البيان أن أفكار السيادة الوطنية وحق تقرير المصير تقف حاجزاً دون أي تدخل خارجي في شؤون الدول المستقلة. بيد أن ذلك لا يعدم حقيقة تقول إن بعض الدول المستقلة تنسى أنها أجزاء من كل لم يعد يمكن فصل قطعه ومكوناته عن بعضها.

وإذا كان «أثر الفراشة» (أو تأثير الفراشة)، بحسب العبارة التي تستخدمها «نظرية الفوضى» في تفسير تبادل التأثيرات على المستوى الكوني، يصح في مجالي السياسة والاقتصاد، فلا مفر من العمل على وقف تداعي الموقف في الشرق الأوسط وشرق آسيا كوسيلة لمنع انهيار الأسواق.