الريّس مرسلينو: نصف قدّيس… نصف قرصان – غسان سعود – الأخبار

يزدهر سوق السيجار في البترون هذه الأيام. ثقة زعماء المدينة التقليديين بأنفسهم تزداد حين تمتلئ رئاتهم بدخانه، والمعترضون على الإقطاع يفترضونه جزءاً من عدّة الشغل. وبين الاثنين، يعتقد كثيرون أن السيجار قادر على حملهم إلى الكرسي الموعود. هذا الكرسي هو شُغل البترونيين الشاغل هذه الأيام. فمن يستمع إلى النائب السابق سايد عقل يتحدث عن المجلس البلدي البتروني، يعتقد أن في صالونه خمسة عشر كرسياً يُجلس عليها من يشاء. ومن يشاهد أنصار الوزير جبران باسيل يتحدثون عن المعركة، يعتقد أن كل من يُسمى وزيراً يحظى بامتياز تسمية المجلس البلدي في بلدته. لكنّ الأمر لا يخلو من مبادرات عفوية، كرفْع أنصار المرشح للمخترة جوزف عسّال، الملقب بـشيكو، صورته ضاحكاً وقربها كرسي إلى جانب تعليق يقول: «خلقت إلك».

بالنسبة إلى كثير من البترونيين، لا تزال الأمور ملتبسة. فرئيس البلدية الحالي، مرسلينو الحرك، كان بالنسبة إلى النائب السابق سايد عقل، أكثر الناس قدرة على خدمة البترون. وقد خاض عقل عنه ومعه معركة المجلس البلدي في الدورة الماضية. ووفق الذاكرة البترونية، فإن خصم الحرك لم يكن سوى وزير الطاقة جبران باسيل. فما الذي تغيّر؟ وكيف صار الحرك حبيباً لباسيل واسماً غير محبّذ ذكره في صالون عقل؟ وكيف اجتمع النفور العائلي ممثلاً بسايد عقل وجورج ضو في لائحة واحدة، متجاوزاً عقوداً طويلة أثقلتها الخلافات بين العائلتين؟




للبحث عن الأجوبة، لا بدّ من الانتقال إلى بلدة جران البترونية، في طريق «شقّها البغل». هناك، تبدو فيلا الباحث كمال فغالي المعلقة على تلة من أشجار الصنوبر، أشبه بالدير. فغالي ـــــ الكاهن هذه المرة ـــــ يزرع البندورة ويتأمل الخيار والخسّ واللوبية تكبر بين يديه. إنّه المدير الفعلي لماكينة المعارضة في البترون، ويرى انتصار فريقه في المعركة المنتظرة سهلاً. يستفيد من وقته في البترون لترتيب منزله الذي لم ينتهِ من إعماره رغم مرور عشرين عاماً على وضع الحجر الأساس له. ولدى فغالي بعض الأجوبة: «المعركة عام 2004 كانت سياسية بامتياز في البترون، وقد عبّر كلٌّ من باسيل ومرسلينو عن مشروع سياسي. لكن بعد المصالحة السياسية بين التيار الوطني الحر وتيار المردة، تصالح باسيل والحرك وعملا معاً، كل من موقعه، لخدمة مدينته». هذا التقارب بين الحرك وباسيل نفّر عقل من الحرك. يشار هنا إلى أن عقل الذي كان عضواً في حزب الكتلة الوطنية حتى سنة 1992 (رفض قرار مقاطعة الانتخابات وترشح مخالفاً حزبه)، انضم إلى التكتل النيابي الشمالي برئاسة النائب سليمان فرنجية وبقي يستظل زعامة فرنجية حتى عجز الأخير عن ترشيحه للنيابة عام 2005 (ثم تصالح مع فرنجية لكن علاقتهما توترت مجدداً عشية انتخابات 2009 حين اعتذر فرنجية مرة أخرى عن تبني ترشيحه).

العائلتان اللدودتان

أما كيف تجتمع عائلتا عقل وضو، فهذا أكثر ما يشغل البترونيين الذين يرون أن مرسلينو يستحق التقدير لمجرد نجاحه في صناعة هذه المعجزة. فالخلاف بين العائلتين قديم جداً، وهما اللتان وفدتا إلى البترون مع الأمير يوسف الشهابي الذي غزا المنطقة عام 1763 وطرد أبناءها من الطائفة الشيعية حتى حدود بلدة اليمونة في بعلبك، كما يروي الباحث طوني باسيل. لاحقاً، أعجب العثمانيون بكل من إبراهيم عقل (جد سايد عقل) وأسعد ضو (جد جورج ضو) فعينوا كلاً منهما مديراً لناحية في الشمال، ما وفّر لهؤلاء القدرة على تعليم أبنائهما. وهكذا عاد يوسف أسعد بك ضو من فرنسا محامياً، وتدرّج في مكتب الرئيس بشارة الخوري قبل أن يُنتخب نائباً عن محافظة الشمال عام 1943 ويجدد لنفسه عام 1947. أما كميل إبراهيم عقل، فتخصص بالهندسة قبل أن يتنقل بين دول عدة في أميركا الجنوبية ويعود إلى لبنان عام 1950 ليستعد لمعركته النيابية، ويفوز بعد عام واحد بالنيابة، قبل أن يجدّد فوزه في دائرة البترون عام 1960، ويفسح لاحقاً المجال أمام ابن عمه سايد عقل الذي مثّل البترون 16 عاماً في أربع دورات انتخابية (68، 92، 96 و2000).

مثّلت هاتان العائلتان تاريخاً من الخلاف. رأى آل ضو أن آل عقل سرقوا منهم النيابة، ورأى آل عقل أنّ النيابة من حقهم، لأنهم العائلة الأكبر في مدينة البترون. إلا أنّ وارثَيْ زعامة العائلتين أدركا أخيراً أن مرسلينو الحرك بات يتجاوزهما، ويهدد وجودهما معاً، فتلاقيا هذه المرة لحماية الكرامة والعزة و… فأن يفوز ابن عقل على ابن ضو أو العكس، شيء، وأن يفوز ابن الحرك، شيء آخر.

سان ستيفانو ثمّ البلديّة

مرسلينو الذي يسعى بعض مناصريه إلى تحويله اليوم إلى ما يشبه غيفارا البترون، له قصّة أخرى. عام 1998، كان يصيّف في مدينته، مستريحاً من هموم تجارة الدخان في الولايات المتحدة الأميركية. وحين اقترب بيخته من شاطئ سان ستيفانو الذي كان يملكه سايد عقل، ناداه الأخير طالباً منه الدعم في الانتخابات البلدية، ليبلغه لاحقاً عبر الهاتف أنه قرر ترشيحه لعضوية المجلس البلدي. وبعد بضعة أسابيع، اختلف أعضاء المجلس البلدي في ما بينهم، فما كان منهم إلا أن استنجدوا بمرسلينو الذي عاد من الولايات المتحدة ليُتَوّج رئيساً، فتمرّس في العمل البلدي ليخوض عام 2004 معركة كان سايد عقل سنده فيها، وكمال فغالي مهندسها.

يجلس مرسلينو اليوم على شاطئ سان ستيفانو، في المكان نفسه الذي كان يجلس فيه سايد عقل حين التقاه للمرّة الأولى. لم يكتفِ برئاسة البلديّة، بل ابتاع المنتجع أيضاً. ينفخ سيجاره بارتياح، مفضّلاً عدم التعليق على نيّات خصومه، ومتوقعاً أن يعجز هؤلاء عن تأليف لائحة ثانية، وخصوصاً أنّهم لن يتحملوا الخسارة. يكرر القول إن المعركة غير سياسية، وإن لائحته تضم ممثلين عن مختلف العائلات، ثلثها تقريباً من المجلس البلدي الحالي الذي سبق لسايد عقل أن اختار معظم أعضائه. يشتكي مرسلينو الذي يتحدث مع زوجته البترونية بالإنكليزية، من هاتفه الذي لا يكفّ عن الرنين منذ السادسة صباحاً، ويطالب الفريق الآخر بالقبول بمناظرة تبيّن للبترونيّين مَن الذي يحمل مشروعاً للبلديّة. وإذ يتلذّذ مرسلينو بطعم السيجار على شفتيه، ترتسم فجأة ملامح القلق على وجهه، متسائلاً عما سيحصل في البترون، إن خسر المعركة! ويبدأ بتعداد عشرات المشاريع التي أنجزتها البلدية في السنوات القليلة الماضية، والتي سيصدر قريباً كتيب يفصّلها، فيكون بمثابة شهادة على تحقيق مرسلينو لبرنامجه الانتخابي السابق.

ويراهن الحرك على رأي عام بتروني عابر للسياسة، يرى في إنجازات المجلس البلدي الإنمائية ما يستحق التمديد له. فالفورة البترونية السياحية في السنوات الماضية، تزامنت مع ورشة إصلاح للبنية التحتية شملت ترميم جزء كبير من الأسواق القديمة، استحداث طرق، إنشاء محطة تكرير للصرف الصحي، وغيرها. ويبني أنصار الحرك على هذه الإنجازات المشهودة مقارنة مع ما قدمه عقل حين كان نائباً لمدينته، لينتهوا إلى القول إن من لم يساعده لقب سعادة النائب في إفادة منطقته، لن يساعده لقب الريّس كثيراً.

لكن، ماذا عن السياسة؟

يبدو أنّ نقمة سايد عقل على مرسلينو بدأت عام 2009 حين وقف رئيس البلديّة إلى جانب الوزير جبران باسيل في معركته النيابيّة. ففي الوقت الذي خرج فيه عقل عن تحالفه مع النائب سليمان فرنجيّة، استمرّت العلاقة الوطيدة بين مرسلينو وقائد تيّار المردة. ولم يتأخّر باسيل عن ردّ الجميل للريّس، فأعلن دعمه المطلق لتجديد ولايته في رئاسة البلديّة. لكنّ دعم باسيل لمرسلينو سيف ذو حدين. فمن جهة، يضعف تاريخ وزير الطاقة الانتخابي الحرك معنوياً، إذ لم يسبق لباسيل أن خاض أيّة معركة بترونية رابحة. ومن جهة أخرى، أظهرت معركة الانتخابات النيابية الأخيرة في مدينة البترون، تفوقاً للتيار الوطني الحر وحلفائه (حصد جبران باسيل في مدينة البترون 2212 صوتاً مقابل 969 صوتاً لبطرس حرب).

أمّا من جهة سايد عقل، فإنّ ترشّح مرسلينو من دون العودة إليه مثّل الشعرة التي قصمت ظهر البعير، بعد كلّ «التجاوزات» السابقة. ولم يجد مفرّاً من خوض المعركة بنفسه في ظلّ غياب مرشّح جدّي آخر يقف في وجه الريّس. ولعلّ أوّل إنجاز لعقل، هو نجاحه في التحالف مع آل ضو، رغم كلّ الخلافات التاريخيّة، إضافة إلى حصوله على تأييد فريق 14 آذار الذي لا يرغب في رؤية باسيل يحقّق إنجازاً بترونياً.

وفي المحصّلة، تبدو المعركة أقرب إلى مجموعة تصفية حسابات. عقل يصفّي حسابه مع الحرك، وباسيل يصفّي حسابه مع عقل وحلفائه الذين حرموه النيابة في الصيف الماضي للمرة الثانية على التوالي، والأكثرية تصفّي حسابها مع باسيل الذي طردوه من باب المجلس النيابي، فعاد عبر الشبّاك الحكومي.