لولا السلطان والكاتب – سمير عطا الله – الشرق الاوسط


لو دون ابن بطوطة «رحلته»، يوما بيوم، أو سنة بعد سنة، أو بلدا بعد بلد، لكان تجمع لديه وبقي لدينا أضعاف ما ترك لتراث السفر ومهمة التنقل والترحل. لكن الرحّالة البديع لم يكن ذا ريشة بديعة، فأهمل الأمر إلى أن عاد إلى بلاده، المغرب، بعدما أمضى نحو ثلاثين عاما في التجول ورأى ما يساوي الآن نحو 40 بلدا، وركب البر والبحر نحو 70 ألف ميل، في السفن الصغيرة والمراكب المهترئة وعلى ظهور الدوابّ.




لم تكن فكرة تدوين تلك الرحلات الأسطورية فكرته. ولكن عندما أصغى إليه سلطان فاس يخبره بما رأى في بلاد مالي، سحره ما سمع، فطلب إليه البقاء في فاس وتدوين ذكرياته في مخطوطة تُحفظ في الديوان الملكي، فكان أن حُفظت في التراث الإسلامي والعالمي.

كان ابن بطوطة، عندما ذهب إلى فاس عام 1354، قد التقى قبل ذلك بثلاث سنوات في غرناطة، شابا يُدعى محمد أحمد بن جزي، يعمل في بلاط يوسف الأول. وها هو الكاتب والشاعر الآن في فاس، وقد سبقته إليها سمعته، كاتبا وشاعرا وناسخا. رحب ابن جزي بالفكرة وأمضى نحو عامين يصغي إلى المسافر المذهل ويسجل ويقرأ الملاحظات التي وضعها ابن بطوطة. ويقر ابن جزي بأن ما انتهت إليه اللقاءات لا يشكل سوى جزء يسير من جعبة الرحالة الطنجاوي، الذي كان في الأصل ذاهبا لأداء فريضة الحج في مكة، فإذا به يصل إلى الصين والهند وأفريقيا ويعود ثلاث مرات إلى بلدان الخليج العربي ويقيم في مصر والعراق وسورية ولبنان. وربما من ظواهر النقص في عدم التدوين الآني، أنه ذهب إلى بعلبك وأتى على ذكر أهلها ومناخها، وفاته أن يأتي على ذكر قلعتها الرومانية العجيبة التي تُعتبر من أهم آثار العالم القديم.

أتى ابن جزي عملا مهما من التسجيل والتدقيق والبحث. لكن العلاقة بين الرجلين انتهت بعد عامين عندما توُفي الكاتب الشاب وهو لم يكمل بعد السابعة والثلاثين من العمر. وفي المقدمة المختصرة «للرحلة» يفصل ابن جزي ما أراده السلطان من ابن بطوطة بالتحديد: أن يملي عليه وصف المدن التي زارها، ويروي الأحداث المهمة التي علقت في ذاكرته، وأن يتحدث عن حكام البلدان التي زارها وعن أوليائها وعلمائها. وكانت النتيجة أنه أملى عليه ما يسر العقل ويمتع الآذان والأعين.

هل يعني ذلك أن العالم كان سيُحرم من هذا الأثر التاريخي التراثي النفيس، لولا السلطان والكاتب ابن جزي؟ ربما. لكن الحمد لله أنه قدر «للرحلة» العظيمة أن تبقى. فقد بدأها ابن بطوطة بعد عام واحد من وفاة ماركو بولو، أول الواصلين إلى الصين من هذا الجزء من العالم.