كلهم يتجنبون الحرب ولبنان وحده يتحدث عنها! – هدى الحسيني – الشرق الاوسط


يحمل نائب الرئيس الأميركي جو بايدن إلى العراق اقتراحا لجمع نوري المالكي وإياد علاوي في حكومة ائتلاف عراقية. هدف بايدن الانسحاب الأميركي من العراق، فإذا لم تتفق «دولة القانون» مع «العراقية» دبت الفوضى، ويوم السبت الماضي حذر علاوي من احتمال حرب أهلية.




الفوضى الدموية في العراق تؤخر الانسحاب الأميركي، والرئيس الأميركي باراك أوباما يريد أن ينتهي الانسحاب عام 2011، لأسباب كثيرة أبرزها الكلفة المالية، ثم إن أوباما وصل إلى سدة الرئاسة الأميركية على عربة الانسحاب من العراق.

يقول لي مصدر أميركي، إن الأميركيين قريبون من المالكي ويستطيعون التعامل معه، «لقد تعاملوا واستقبلوا حميد كرزاي الرئيس الأفغاني!».

يشغل واشنطن الملف النووي الإيراني، وهي تشعر بأن إيران تستعمل العراق كورقة ضغط. تقول إيران: «إذا وجهتم صواريخكم ضدنا، فلدينا جنودكم في العراق»، ثم إن قيام إسرائيل بغارات على إيران، يعني عبورها الأجواء العراقية، وهذا أمر صعب لأن أميركا تسيطر على الأجواء.

وترى واشنطن الآن، أن المطلوب مقاطعة إيران وعزلها واحتواؤها ومساعدة المعارضة، وأوباما سيذهب حتى الميل الأخير قبل أن يدعو إلى المقاطعة. وبهذا تؤيده بعض الدول العربية التي ستتأثر إذا ما وقعت الحرب. يقول محدثي: «السعودية والإمارات مع المقاطعة، تركيا وسورية ضدها، قطر وعمان متحفظتان». ويضيف: «تقول إيران إن نفوذها يمتد من العراق مرورا بفلسطين ووصولا إلى باكستان، وإن استقرار سعر النفط مرتبط بها، لكن كل هذه الاعتبارات تسقط إذا ما رفضت التفاوض من أجل برنامج نووي سلمي».

لكن أوباما الذي يريد السير في عملية السلام العربي – الإسرائيلي خلال الأشهر العشرة المقبلة، يدرك أن الحرب مع إيران تنهي هذه العملية. لذلك كانت رسالة واشنطن إلى تل أبيب: إياكم وتوجيه أي ضربة، فالضربة قد تؤخر البرنامج لسنوات خمس، لكنها قد تنعش وتحيي النظام.

إن جزءا من استراتيجية البيت الأبيض لعزل إيران يقوم على تحقيق تقدم على الساحة الفلسطينية، ضباط البنتاغون وعلى رأسهم الجنرال ديفيد بترايوس يرون في إيجاد حل للقضية الفلسطينية عدة فوائد، منها تحجيم النفوذ الإيراني في العالم العربي والإسلامي. ثم إن أوباما صار واثقا من أن هذه المسألة مهمة للأمن القومي الأميركي. لذلك بعد بدء المفاوضات غير المباشرة، سيكون الدور الأميركي حاسما، واشنطن ستقدم اقتراحات، وسوف يتدخل أوباما شخصيا. خلال الأشهر الأربعة المقبلة سيتم تحديد القضايا الأساسية في المفاوضات: الأرض، الأمن، المياه، وموضوع اللاجئين. بعد أن تطرح واشنطن هذه القضايا، سيدرس أوباما أين يقف كل طرف وعندها سيقدم مبادرته، ويقول محدثي: «إن التدخل الأميركي الحاسم سيبرز بعد شهر نوفمبر (تشرين الثاني) (موعد انتخابات الكونغرس في الولايات المتحدة)». ويضيف: «لكن أوباما لا يستطيع فعل هذا لوحده، فيما العرب يتفرجون ويطلبون منه أن يعرض على إسرائيل سلاما أو انسحابا. عليهم أن يقبلوا على مبادرته خصوصا أنه يدرك جيدا أن لا دولة فلسطينية ولا سلام من دون القدس الشرقية».

في لقائه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كانت رسالة أوباما واضحة: هل تريد السلام أم لا؟ إنها فرصتك لأن السلام يضاعف أمن إسرائيل. ثم كانت رسالة أوباما إلى يهود أميركا، هي أن «سياستنا ألا نضعف أمن إسرائيل». المراهنة في واشنطن الضغط على نتنياهو للإتيان بحزب كديما إلى الحكومة، فوحده هذا التحالف قادر على السلام. وبمجرد أن تبدأ المفاوضات غير المباشرة الإسرائيلية – الفلسطينية سيحصل تحرك أميركي تجاه سورية، فواشنطن لا تريد معارضة سورية.

ويعود محدثي إلى موضوع العراق، حيث يلاحظ أن الانتخابات وما تلاها حتى الآن من صراع على السلطة كشف عن انقسام شيعي في العراق، ويعتقد بأنه بعد الانسحاب الأميركي من مصلحة إيران عدم تخويف العرب والمنطقة لأن من شأن ذلك أن يجعل كل دول المنطقة تعتمد أكثر وأكثر على أميركا. لكن، ماذا تريد إيران؟ يعترف بأن هناك رسلا من قبل طهران إلى واشنطن، فإيران تركز على ما إذا كانت أميركا ستعترف بدورها في المنطقة. تنقل شعورها إلى أميركا بأنها أهم دولة في الخليج، ولا تريد أن تكون دول الخليج متحالفة مع أميركا ضدها، «هي تريد تحالفا كالتحالف التركي مع أميركا».

وكان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، وجه قبل نحو أسبوعين رسالة صوتية عبر الإذاعة الإيرانية إلى أميركا، يدعوها فيها إلى أن تتحالف مع إيران «حيث ستجد فيها الصديق المخلص الممكن الاعتماد عليه». ما تريده إيران معرفة وقع هذا النداء على الإدارة الأميركية؟

اللعبة الإيرانية، ترك كل طرف في المقابل يخمن خطوتها المقبلة، لكنها تعرف في الوقت نفسه أن الحرب مدمرة لها. ويعتقد بعض الذين يؤيدون إيران في مواقفها ونفوذها، بأن إسرائيل تضخم مسألة النووي الإيراني تهربا من الموضوع الفلسطيني.

وترى أصوات في واشنطن وعواصم أخرى، أن إيران، بكل مناوراتها المستمرة، تريد التركيز على تحقيق طموحها، أي التحكم بمنطقة الشرق الأوسط، وصولا إلى باكستان وأفغانستان، وهي بعد التخلص من نظام صدام حسين في العراق، لم يبق أمامها إلا إسرائيل التي تهدد هذا الطموح وتهددها. وتضيف هذه الأصوات، أن إسرائيل لا تتحمل حربا تستمر أشهرا طويلة، السياحة تموت فيها والهجرة المعاكسة ستنشط. وأي حرب تصل صواريخها إلى تل أبيب ستؤدي إلى سقوط بلد كضحية وهو لبنان. الوضع ليس سهلا، ثم إن أميركا لن تسمح لإسرائيل بأن تجرها إلى حرب. ففي الحرب تهديد للاقتصاد العالمي والأمن القومي الأميركي.

الملاحظ في هذا كله، أن كل الأطراف حتى إيران تبحث عن سبل لتجنب الحرب. أحمدي نجاد قبل اتفاق يوم الاثنين وبعده يدعو أميركا للتفاوض مع إيران بمصداقية، وإسرائيل تؤكد عبر سياسييها وجنرالاتها بأنها لا تريد حربا، لا بل تقول إن تحقيق السلام مع سورية يبعدها عن حزب الله وعن إيران. أميركا تقول إنها تريد أن تتجنب الدخول في حرب ثالثة، إلا إذا فرضت عليها. تدرس اتفاق إيران – البرازيل – تركيا بحذر وتستمر في العمل على المقاطعة.

وحدهم المسؤولون اللبنانيون لا ينفكون عن تحذير اللبنانيين من أن الحرب على الأبواب. رئيس الجمهورية ميشال سليمان حتى أثناء مشاركته في تنظيف مياه الشواطئ اللبنانية الملوثة، ألقى خطابا ضمنه تحذير اللبنانيين من الحرب وأنه «بوحدتهم يواجهون العدوان الإسرائيلي». رئيس مجلس النواب نبيه بري وهو يرسم لوائح انتخابات بلديات الجنوب يحذر اللبنانيين من رياح الحرب وكأن جحافل الجيش الإسرائيلي أطلت لتعرقل نتائج تلك الانتخابات. والناطقون باسم رئيس الوزراء سعد الحريري يبلغون اللبنانيين بأنه يقوم بمحاولات دبلوماسية من أجل تجنيب لبنان أي ضربة إسرائيلية. الزعيم الدرزي وليد جنبلاط يحذر من الدعوة إلى تحييد لبنان، إذ يجب أن نخوض معا الحرب التي على الأبواب. أما الشيخ نعيم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله فقد قرر بأن التلاحم بين المقاومة والشعب والجيش يشكل ردعا يوفر الكثير من الحروب.

كأن الزعماء اللبنانيين كلهم يتمنون الحرب لأنها التبرير الوحيد لعجزهم عن الالتفات إلى بناء اقتصاد لبنان والتفكير بمستقبله والإصغاء لطلبات اللبنانيين.

الأمل، أن يقف الفلسطينيون والدول العربية التي يهمها إيجاد حل للقضية الفلسطينية، إلى جانب الرئيس أوباما لإنجاح المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية. فإذا نجحت، سقطت كل الأصوات النشاز التي تدعو إلى حرب في المنطقة من شأنها أن تسرّع الخطى نحو التخلف. حتى إيران تبحث عن تجنب المقاطعة وبالتالي الحرب، فلنتشبه بها.