الفراغ السياسي الكبير – سليمان تقي الدين – السفير

تجتمع الناس في أحزاب سياسية فتكتسب هوية جديدة. تختار أن تنتمي إلى قضية أو فكرة أو مشروع أو برنامج. الأحزاب اتحادات طوعية يقرر الفرد ان ينضم من خلالها إلى جماعة تشبهه في الطموحات والتطلعات. يخرج الفرد من انتمائه السلبي الموروث إلى جماعة دينية أو مذهبية أو عرقية أو عائلية أو مناطقية أو طبقية. هناك احزاب تقوم عقيدتها على مصلحة عرقية أو دينية لكنها مجرد ان تتكون جماعة سياسية منظمة تلغي الكثير من الفوارق المسبقة. يكون الحزب وسيلة للتعاطي السياسي ليتعامل مع الآخر بلغة السياسة ويخفض من الاعتبار القبلي العنصري أو الديني.

كل الاحزاب التي تشكلت في لبنان قدمت هويتها السياسية ولو أنها عبّرت عن مصالح جماعة طائفية. مجرد وجود الحزب السياسي يعني ان الجماعة التي يدّعي تمثيلها ليست متطابقة معه. ليس من حزب يمكن أن يختصر جماعة دينية أو مذهبية. التنظيم السياسي هو التقاء لفئة كبيرة أم صغيرة من تلك الجماعة حتى لو كان يدّعي النطق باسمها. على المستوى السياسي، أي الاجتماعي والثقافي يعبّر الحزب عن وجهة نظر، عن اجتهاد، عن اتجاه، عن تيار، لكنه لا يمكن أن يتطابق مع الجماعة إلا لما كان تشكل في صورة سياسية.

الحزب المسيحي لا يمثل كل المسيحيين، الحزب الإسلامي لا يمثل كل المسلمين. حزب العمال لا يمثل كل العمال، وكذلك حزب الفلاحين، بل هو يفترض هذا التمثيل ويدّعيه. أحياناً كثيرة يمارس الحزب سياسات لا تخدم الفئة التي يطمح إلى تمثيلها. تقود الاحزاب جمهورها إلى النصر والى الهزيمة.

الاحزاب مسيحية الهوية خاضت حرباً باسم المسيحيين، خسرت تلك الحرب وخسر المسيحيون معها. الاحزاب إسلامية الهوية خاضت حروبها ربحت هذه الحروب ولم يربح كل المسلمين معها. يشعر الفرد أو الجماعة بالربح وبالخسارة بمدى ارتباطه بالمشروع السياسي. يكون الربح والخسارة أحياناً من جهة معنوية أو اديولوجية، ويكون أحياناً مصالح مادية ملموسة. هناك باستمرار من يجني المكاسب الخاصة من وراء الربح السياسي. ليس من يضحي بالضرورة هو الذي يستثمر حصاد النجاح. هناك سلطة سياسية تذهب إلى فئة من الجماعة، وهناك مكاسب اجتماعية تذهب إلى شريحة معينة. التغيير الحقيقي الذي يترك أثراً على عموم الناس هو التقدم العام في ميدان الحقوق.
 
يكون التغيير ملموساً عندما تزول امتيازات أو قيود وتتحقق حريات عامة أوسع وتكافؤ فرص أكبر. ليست كل الثورات في التاريخ على سوية واحدة، لا في حدود زمانها ومكانها ولا في نتائجها على التقدم الإنساني، لا إذا كانت ثورات وطنية أو سياسية أو اجتماعية. في الغالب تحرك المثل والطوباويات خيال الناس وتلهمها إلى العمل والتضحية. ما يتحقق عادة هو أقل بكثير من المتخيّل والمرتجى. تتخذ الاحزاب لنفسها أسماء جذّابة، تستخدم شعارات مثيرة، تطرح برامج كبيرة طموحة. في ميدان العمل تتقلص مساحات الانجاز. يتدخل العامل الإنساني بكل تعقيداته ليحد من المثاليات كما تتدخل الظروف الموضوعية أحياناً كثيرة لتحجيم أي مشروع على أرض الواقع. هذه أمور أكدتها التجربة الإنسانية. الأديان بما تنطوي عليه من إلزامات مقدسة لم تتجسد في نظام اجتماعي. العقائد الكبرى انتجت ظاهرات مناقضة لمبادئها الأساسية. رغم ذلك كله لن تتوقف البشرية عن الحلم والأمل بغد أفضل. لن تستسلم الناس لما هو تشويه للقيم الكبرى في عناوينها الرئيسية من حرية وكرامة وعدالة. تتخذ الناس من هذه القيم وسائل لعملها، وتحولها إلى مشاريع بصورة أو بأخرى. لا تسقط هذه القيم بل تسقط القوى الحاملة لها. لا تتخلى الناس عن طموح التقدم بل تقع فريسة بعض الاوهام أو الاختيارات الخاطئة. يتعب الجمهور أحياناً من الصراع فيستبدل المصالح الكبرى بالمصالح الصغرى. هناك في التاريخ فارق بين الفرد والجماعة. تاريخ الافراد مليء بالتحولات السريعة. تاريخ الشعوب مساره طويل وتحولاته أكثر تعقيداً.

خرج اللبنانيون من حرب طويلة منهكين. جرى تطويعهم وتعليبهم في خانة سلطات الأمر الواقع. لم يكن سهلاً أن يعيدوا تجديد فعلهم السياسي. اكملت الحرب طريقها بوسائل أخرى. سلطة القرار الاقتصادي أعادت تشكيل مواقعهم ووعيهم. نشأت معطيات جديدة وقواعد جديدة لإدارة المجتمع. لم يكن سهلاً وعي نتائج ما سيؤول إليه السلم اللبناني. نشأت الكثير من الوعود والأوهام. بعد عقدين من الزمن عصفت بلبنان أزمة سياسية جديدة نتيجة تبدلات في الظرف الدولي والإقليمي.
لم يكن اللبنانيون يملكون أدوات مواجهة تلك التطورات. خرجوا إلى الشارع بالكثير من الاوهام وبالكثير من الأمل والخوف في آن. أخذتهم الطبقة السياسية إلى حيث أرادت من تجديد سلطتها. لم يكن في البلد إلا احزاب سلطة. احزاب السلطة أولوياتها التوازن السياسي وليس المضمون السياسي الحقيقي الذي يستخلص هموم المجتمع وطموحاته. احزاب السلطة تستخدم الجمهور عناصر في بناء السلطة مرَّة بتوحيده بالعصبية الكبيرة، ومرَّة بدفعه إلى عصبيات متنافرة. المشروع الطائفي ضروري في مواجهة الآخر، والتنافس العائلي ضروري لوقف التضامن الاجتماعي. احزاب السلطة أجهزت على وحدة الدولة بصراع الطوائف، وهي تجهز الآن على وحدة المجتمع بصراع العائلات.

فجّرت الانتخابات البلدية كل التناقضات الاجتماعية. سقطت هيبة الاحزاب ومصداقيتها. تحالفات متناقضة، ممارسات لا تمت إلى الاصلاح والتنمية بصلة. منافسة على اقتطاع حصص من السلطة. لم يعد أي حزب أو تيار يفكر بمشروع الدولة. كل الاحزاب تمركز مشروعها على طوائفها ومناطقها وتحاول أن تحتكر لنفسها السلطة. الجمهور ينتفض هنا وهناك على سلطة الحزب. استقالت الاحزاب من السياسة بمعناها الايجابي. نحن في مجتمع اللادولة نبحث عن اشكال التضامن والحماية والانتماء في مجتمع ما قبل الدولة. إما التوحّش وإما الدولة. تظاهرات التوحش تطل من جريمة «كترمايا» ونزاعات العائلات ومن عطالة العدالة والأمن. مَن يملأ هذا الفراغ الكبير!؟