منطقة الخيبات – 1 – إنذار حريري ؟! – راجح الخوري – النهار

ثلاث محطات رئيسية في زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري لواشنطن ونيويورك:
ما كتبه في صحيفة "لوس أنجلس تايمز" عشية وصوله الى اميركا. وما قاله في كلمة وجدانية مفعمة وسياسية جريئة في جامعة جورج تاون. وما شدد عليه في حديثه عن فلسفة الحوار عندما ترأس جلسة غير مسبوقة لمجلس الامن حول دور "الحوار بين الثقافات من اجل السلام والامن الدوليين".
في المحطات الثلاث كما في احاديثه مع الرئيس باراك اوباما وعدد كبير من المسؤولين الاميركيين، حرص الحريري على لفت الانظار وجذب الانتباه الى ساعة الوقت الضيق المتسارع والمتبقي للتوصل الى تسوية سلمية عادلة ومنصفة وشاملة للقضية الفلسطينية وازمة الشرق الاوسط، قبل ان تسود قوى التطرف والكراهية والتعصب والارهاب، وقبل ان ينعكس هذا الامر المقلق استطراداً على العلاقات الدولية وخصوصاً بين الشرق والغرب.
ومن خلال محتوى كلماته واحاديثه بدا سعد الحريري كمن يقرع جرس الانذار من استمرار سياسات التغاضي عن الاحتلال الاسرائيلي والتنكر لقواعد التسوية السلمية وخصوصاً "المبادرة العربية للسلام" التي تستند الى قرارات الشرعية الدولية ولا تحظى بما تستحق من قبل اميركا و"الرباعية الدولية".


❑ ❑ ❑





فمع استمرار الاحتلال وسياسة العدوان والتوسّع، وفي غياب الحل العادل، تفاقمت المأساة وازداد الغضب والتعصّب والارهاب وتبيّن ان من السهل وجود اشخاص يقودهم اليأس الى أسوأ الأعمال. واكتسب التطرف مساحات اوسع من خلال التساؤل عما حققته المفاوضات ومساعي التسوية التي اصطدمت دائماً بالتصلّب الاسرائيلي والانحياز الغربي.
واذا كان الجواب المحزن ان التسوية لم تحقق شيئاً، فإن المحزن اكثر ان لا يفهم الغرب ان المعتدلين من العرب والمسلمين جرّبوا كل شيء حتى الآن. ومن المؤسف فعلاً ان تكون "المبادرة العربية للسلام"، التي يؤيدها اكثر من مليار مسلم في العالم، قد لاقت أذناً صمّاء.
على امتداد شريط زيارته الحافلة، حرص على التذكير بأخطار الوقت الذي يركض والفرصة التي تتبقى للتسوية. وفي تركيزه وإلحاحه على هذا الأمر، ثمة ما يذكّر بخروج والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري صارخاً في برية الدول الكبرى لوقف عدوان "عناقيد الغضب" عام 1996 وإبرام "تفاهم نيسان" الذي شرّع المقاومة دولياً.
خلال محادثاته مع جورج ميتشل، الذي قال إن هناك شعوراً ببدء تقدم على المسار السوري، لكن نقل الاسلحة الى "حزب الله" يقوّض هذه الجهود لجهة قول اسرائيل إن دمشق ترفض المفاوضات، لم يتردد الحريري في ان ينبري دفاعاً ليقول إن الرئيس الاسد يريد بالفعل معاودة مفاوضات السلام ولكن على اسس عادلة وثابتة وشاملة، وسبق له ان طالب برعاية اميركية لمفاوضات من هذا النوع!
بدا الحريري كأنه يواجه البيض الابيض بحقائق لا يمكن التغاضي عنها: "يعلم الرئيس أوباما ان الظلم يغذّي التطرّف وان اليأس يمكن استغلاله لخدمة الشر (…) نحن نحيي تصميمه على إحياء صدقية عملية التسوية. لكن لا يجب السماح بفشل هذا الجهد. واعتقد انه لم يتبق لنا ما يكفي من الوقت…".
إنه جرس الانذار، او ساعة الوقت الراكض المرتبطة بمنطقة اشبه ببرميل من البارود. وسعد الحريري لم يكن وحده الصوت الصارخ في "البرية الاميركية" في الايام الثلاثة الماضية.
يجب الاستماع ايضاً بدقة الى كلام المستشارة الالمانية أنغيلا ميركل التي قالت في الرياض اول من امس إن خادم الحرمين الشريفين يشعر بخيبة امل كبيرة من غياب التقدم في عملية السلام، وخصوصاً انه هو الذي اقترح "المبادرة العربية للسلام" في قمة بيروت قبل ثمانية اعوام!


❑ ❑ ❑


ايضاً وايضاً يجب ان نقرأ بدقة، او بالاحرى ان يقرأ أوباما بدقة، حديث الرئيس الاسد الى صحيفة "لا ريبوبليكا" الايطالية، وقد قال إن أوباما خيّب الآمال وإن اميركا فقدت نفوذها في عملية السلام في الشرق الاوسط.
صحيح ان اميركا تبقى الدولة العظمى الوحيدة، يقول الاسد، إلا انه لم يعد لديها نفوذ لانها لا تفعل شيئاً لاجل السلام. ثم ان الرئيس السوري اشار بدوره الى عامل الوقت الذي ينفّذ، عندما قال إن اوباما أحيا آمالاً في المنطقة ولكن لم يعد في وسعنا الانتظار!
واذا كان الحريري قد حذّر فعلاً من نفاد الوقت المتبقي للتسوية، فإن الاسد ذهب أبعد عندما قال: "إن حقبة جديدة بدأت والتوافق بين قوى المنطقة هو بصدد اعادة رسم نظام لها…".
والمهم في النهاية ان يدرك اوباما، الذي سيستقبل نتنياهو، حساسية الوقت الراكض وخطورة خيبات الامل التي تملأ الشرق الاوسط!