“مولانا”… السَيِّد – سركيس نعوم – النهار

بين عامي 1975 و1990 عاش اللبنانيون حرباً اهلية شاملة اي بالعربي الفصيح حرباً اسلامية – مسيحية وحرباً مسيحية – مسيحية وحرباً اسلامية – اسلامية. وعاشوا ايضاً حرباً لبنانية – فلسطينية وحرباً فلسطينية – اسرائيلية او مقاومة كما كانت تسمى شارك فيها لبنانيون افراد ولبنانيون ينتمون الى تيارات واحزاب معينة. وعاشوا ثالثاً حرباً اسرائيلية يومية عليهم وعلى "ضيوفهم" الفلسطينيين الذين كانوا اصبحوا "رب المنزل"، واجتياحين واحداً محدوداً عام 1978 وآخر واسعاً عام 1982. في اثناء هذه الحروب كلها كان رجل الدين النجفي الجنوبي اللبناني السيد محمد حسين فضل الله يراقب ما يجري، ويتابع المآسي الناجمة عنه ويشارك، من موقعه الديني والوطني وعبر ايديولوجية الاسلام الحركي التي تبناها، في مقاومة اسرائيل واحتلالها وروافدها، وفي العمل للتخلص من ظلم وحرمان داخليين مزمنين.

في أثناء هذه الحروب ايضاً لاحظ السيد فضل الله "المأثرة" الاولى التي لا مفر منها للحروب سواء كانت دفاعية او هجومية ومحقة او ظالمة، وكانت شيوع ظاهرة "اليتم". وادرك بقلبه العامر بالايمان وبعقله الثاقب وبصيرته النافذة ان عدم معالجة هذه الظاهرة المتفاقمة من شأنه ان يجعلها قنبلة، او بالاحرى ترسانة قنابل شديدة الانفجار، لا بد ان تهدد وفي صورة دائمة امن المجتمع. فالايتام الذين كانوا ضحايا لا بد من ان يصبحوا مع الوقت "جلادين" اذا لم يجدوا من يرعاهم ويوجّههم ويعوّضهم فقدان الاهل والاحباء. وهذا ما دعا السيد فضل الله وما دفعه الى تأسيس مبرّة خيرية صغيرة للاهتمام بهم والى ايلائها عنايته كلها وعناية عائلته الصغيرة ولاحقاً الكبيرة، بعدما تحوّل مرجعاً للشيعة الاثني عشرية ليس في لبنان فقط، بل في كل اقطار العالم وخصوصاً حيث يوجد مسلمون ينتمون الى الطائفة الشيعية.

لم يتوقف هذا العمل الاجتماعي للسيد فضل الله عند انتهاء الحرب بل ازداد نمواً اذ صارت المبرّة مبرّات وتنوّعت اهتماماتها وتشعّبت مسؤوليات مسؤوليها. وصارت اليوم تضم الألوف من الأيتام وتتعاطى باختصاصية وحرفية نادرتين مع الهموم الآتية:

– كفالة الأيتام.

– التعليم.

– الدمج التربوي الذي يتيح ايجاد عائلات فعلية للأيتام.

– تقديم خدمات للمعوقين ولأصحاب الاحتياجات الخاصة.

– تقديم الرعاية الصحية.

– بدء العمل على محو الأمية.

– التعاون مع هيئات المجتمع المدني.

– القيام بنشاطات ثقافية ورياضية مميزة.

– التعاون مع الهيئات الدولية.

– التدريب على الانفتاح على الآخر.

كيف نجح السيد محمد حسين فضل الله، مولانا كما اسميه اثناء التحدث اليه، والمرجع الأبرز لقطاعات واسعة من ابناء الطائفة الشيعية في لبنان والخارج!
قد يعتقد البعض، واستناداً الى تجارب لبنانية عدة اسلامية اي شيعية وسنية في آن واحد ومسيحية ان "السيد" مدّ يده الى الدول التي تجد ان مصالحها تقضي بمساعدة هذه الجهة او تلك في لبنان. وقد يعتقد بعض آخر ان السيد وعائلته حققا على الصعيد الشخصي من ذلك كله ثروات لا تأكلها النيران.

والحقيقة كما يعرفها عارفوه، اصدقاء او اخصاماً، دائمين او موقتين، تؤكد ان لا فضل لدولة اي لنظام اي لمسؤولين في دولة او نظام قريب او بعيد على "السيد"، بل على المبرّات التي هي انجازه الاجتماعي التعليمي التربوي الثقافي الأهم، طبعاً الى جانب انجازاته الاخرى على الصعد الفقهية والسياسية والوطنية والاسلامية في صورة عامة. وتؤكد الحقيقة نفسها امراً آخر، هو شفافية المبرّات ومؤسسها والعاملين فيها. وقد ظهرت من خلال تعمّد المرجعية المسؤولة عنها تقديم "حساباتها" وبالمعنى الحرفي لكلمة حسابات للناس. اما الطريقة التي موّل بها "مولانا" اي "السيد" مشروعه الخيري المستمر فكان من "الخُمس" الشرعي وكذلك من تبرّعات الأفراد والمقلّدين ولاسيما الميسورين منهم.

وقد شهد بذلك اخصام له، قبل المؤيدين والمقلّدين. اذ قال بعضهم: انها المرة الاولى التي تُقدِّم فيها المرجيعة الشيعية حساباتها للناس. واضاف: على مستوى شيعة العالم صارت المبرّات نماذج تُحتذى. وقال بعض آخر منهم: انا ضد السيد فضل الله، لكن لنعترف انه "عمل" مؤسسات عند الشيعة مستفيداً من الخُمس الذي يجمعه، في حين ان الآخرين يصرفونه او قسماً منه على "مشايخهم".

هل تختصر المبرّات الخيرية الاسلامية تاريخ محمد حسين فضل الله "السيد" والشيخ ثم العلاّمة فالمرجع حامل لقب آية الله العظمى؟

تُعطي المبرّات صورة مهمة عنه وواضحة. لكن الإنصاف يقتضي اشارة في هذه العجالة، وإن تكن المناسبة متعلّقة بالمبرات، الى ارتباطها به والى كونها رافداً من روافد نشاطه الطويل والمتنوع والكثيف. فالسيد كان اول الذين آمنوا بما سماه الاسلام الحركي التغييري المقاوم للظلم والاحتلال وخصوصاً اذا كان صاحبه عدواً مثل اسرائيل. وأول الذين عملوا بجد وكفاءة منقطعي النظير لشرح هذا الاسلام وإقناع المسلمين به وفي مقدمهم الشيعة. وبذلك كان المكوّن الاول للبيئة الشعبية والشيعية الحاضنة للمقاومة الاسلامية والمؤيدة لها. بل كان ومن دون مغالاة الأب الاول لها، من دون ان يعني ذلك انغماساً منه في أي من تفاصيلها الادارية والحزبية والمالية والسياسية والعملياتية. واهمية "السيد" انه استمر على ايمانه المذكور اعلاه ونشاطه واهدافه رغم ان السياسة والمصالح وليس الدين دفعت بتلاميذه الى محاربته في ظروف معلومة لا ضرورة للخوض فيها. فهم استمروا تلاميذه واستمرت عاطفته تجاههم ودفاعه عن حقهم ورفضه استهدافهم. وأثمر ذلك مع الوقت وخصوصاً بعد حرب 2006 اذ عاد بعض الود الذي فقد بينهم وبينه. وعادت الزيارات له وعاد الاستئناس برأيه ووضعه في الأجواء الحقيقية للحوادث والتطورات. لكن يراودني شعور ان السياسة والمصالح التي ابعدت التلامذة عن مرجعهم لا تزال موجودة في شكل او في آخر.

لماذا أتكلم انا المسيحي الماروني العلماني اللبناني العربي عن "مولانا" سماحة السيد فضل الله؟

لأن صداقة ربطت بيننا طيلة ربع قرن تقريباً، ولأن ثقة نمت بيننا، ولأنني أدركت انني امام رجل دين بل عالِم بل مرجع مسلم وفي الوقت نفسه امام انسان راق ومثقف ومؤمن بالآخر ومستعد للإنفتاح عليه وعارف ان لبنان لن يقوم الا بوحدة وطنية حقيقية تساوي بين الناس كمواطنين، والا بنظام عادل، والا بقيادات دينية تقضي على التعصّب الذي تستّر ولا يزال بالدين والمذهب والطائفة. وما كان لصداقة هذه ان تدوم لو لمس ما "يُنَقِّز" مني وذلك رغم الدسائس التي حيكت والاخبار التي انتشرت والمناشير التي وزعت التي حاولت الاساءة الى "مولانا" بالقول انه على علاقة بعميل اميركي اسمه سركيس نعوم. كان يضحك من ذلك ولا يزال. وكنت افعل الشيء نفسه.

في اختصار اقول لكم وبصراحة انني لم أنبهر في حياتي بسلكين. الاول سلك رجال الدين في كل الاديان رغم انني مؤمن. والأسباب كثيرة لا داعي لذكرها. لكني احببت السيد فضل الله عند المسلمين والبطريرك نصرالله صفير عند المسيحيين رغم اختلافي معه في بعض التفاصيل. وفرض عليّ كما على العالم كله احترامه. اما السلك الثاني فهو العسكر في العالم الثالث رغم تقديري لعناصر جيشنا وضباطه، ورغم اقتناعي بأن لا وطن من دون سياج، وبأن الجيش هو هذا السياج. طبعاً لن اخوض في اسباب موقعي انسجاماً مع المثل الذي يقول: ابعد عن الشر وغنِّ له.

في النهاية اتحدث قليلاً، عن جلسة "مباسطة" مع سماحته تمّت قبل اعوام قليلة اي قبل ان يصبح المرض همّاً يومياً له ولعائلته الصغرى ولعائلته الأكبر. وكان اثناءها عارفاً انه ليس على ما يرام. تحدّث عن طموحاته (العامة لا الخاصة) وعن احلامه اذا جاز التعبير وعن مشروعاته. لكنه ختم بترداد بيت شعر للمتنبي هو الآتي: فاذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الاجسامُ. كأنه كان يقول ان جسمه لا يتحمّل رجاحة عقله وضخامة احلامه ومشروعاته ونشاطه المُجهِد. الا انه استمر ورغم نصائح الأطباء يعمل وكأني به يردد قول الشاعر:

عمري بروحي لا بعدِ سنين
فلا تحزن غداً من التسعين
عمري الى السبعين يركض مُسرِعَاً
وروحي باقيةٌ على العشرين

مولانا "السيد" فضل الله اختم بالطلب الى الله عزّ وجل إطالة عمرك لأن لبنان لا يزال في حاجة اليك، واتمنى لك استعادة الصحة التامة، واتمنى للمبرّات استمرار النمو والاتساع والتفوّق والازدهار.

(•) كلمة القيت اول من أمس في الذكرى الـ31 لتأسيس "جمعية المبرّات الخيرية".