هل انهار اليورو نهائيا؟ – الدكتور لويس حبيقة – اللواء

منذ أشهر كانت الأسواق المالية تتكلم عن يورو يوازي 1,6 دولار أميركي، وكان النقاش يدور حول فرص صمود الدولار أمام النقد الأوروبي· كانت مشكلة الاقتصاديين تدور حول قدرة الاقتصاد الأميركي على الاستمرار كقوة دولية بعد أزمة 2007، وما تبعها من افلاسات وسياسات انقاذية سخية· تأثرت أوروبا أولا بدرجة أقل من أميركا ليس بسبب سياساتها الفاضلة، وانما لأن المشكلة نبعت من الولايات المتحدة· اعتقد العديد من الخبراء أن القوة الاقتصادية الدولية انتقلت من واشنطن الى بروكسل وأن أيام الامبراطورية الأميركية أصبحت معدودة· أما اليوم فتغير النقاش وأصبح يدور حول مقدرة اليورو على الاستمرار كنقد أوروبي موحد قبل أن يكون احتياطي نقدي دولي· أصبح النقاش العلني حول قدرة أوروبا على الاستمرار بوحدتها النقدية من دون اجراء تعديلات جذرية في ميثاقها· يقول الاقتصادي <جوزف ستيغليتز> أن أوروبا بحاجة الى سياسة مالية مشتركة اذا رغبت في استمرار وحدتها· يقول الاقتصادي <كن روغوف> ان قواعد السلامة الاقتصادية ما زالت صالحة، أي ضرورة ابقاء العجز المالي والدين العام ضمن هوامش مقبولة تجاهلتها أوروبا·

حصل تغير جذري كبير في الحوار الاقتصادي خلال أشهر قليلة مما يدل على عمق التقلبات ليس فقط الاقتصادية وانما السياسية والاجتماعية أيضا· هذا ما يميز اليوم أيضا الانتخابات البريطانية حيث أتت من دون فائز كبير، كما يحدث منذ أكثر من 3 عقود من الزمن· كان البريطانيون حائرين بالنسبة للخيارات المتاحة لهم، فأتت النتيجة تعبر عن ضياعهم وقلقهم· رفضوا التجديد للرئيس براون، لكنهم لم يعطوا ثقتهم لأي من المنافسين الآخرين· خطأ <ديفيد كامرون> ربما يكمن في أنه كان وراء دعوة رئيس الحزب الديموقراطي الليبيرالي <نيك كليغ> الى المناظرات التلفزيونية الثلاثة ظنا منه ان هذا يضرب <غوردن براون>· حصل العكس تماما نتيجة ثقة كليغ بنفسه وقدرته على مخاطبة الجمهور بوضوح ونوعية· في الدائرة التي ترشح عنها كليغ، كان فوزه الشخصي كبيرا الا أن هذا التمايز لم ينعكس على مرشحي حزبه في الدوائر الأخرى فحصل على عدد مقاعد قليل نسبيا·




لا شك أن وجود مخاطر في الاقتصاد مفيد، اذ تبعا للعلوم المالية لا يمكن تحقيق أرباح كبيرة عندما تكون المخاطر ضعيفة· الا أن الأسواق المالية تتعطل أيضا عندما تكون المخاطر ضخمة ونابعة ليس فقط من المال وانما من السياسة والاجتماع والديموغرافيا والهجرة وتشير الى قلق بالنسبة للمستقبل· تتعطل الاستثمارات عندما يضيق الأفق وتسؤ التوقعات وتغيب الشفافية· كيف يمكن للمستثمر أو للمدخر أن يكون مطمئنا الى أصوله عندما يحصل تخبط في الاقتصاد كما يجري هذه الأيام في كل الأسواق المالية بينها نيويورك؟ كيف يمكن للأسواق المالية العالمية أن تستمر اليوم من دون صندوق نقد يتمتع بالحيوية والقدرة على التدخل كما بالموارد الكافية للارشاد التقني والعلمي النوعي والضروري؟ لا تزال دول العالم حائرة بالنسبة للسياسات الصحيحة التي عليها اعتمادها فيما يخص أسعار الصرف والسياستين المالية والنقدية، وهنالك دور كبير للصندوق في الارشاد المدعوم بالوسائل المالية الكافية·

وضع بريطانيا بعد الانتخابات ليس أفضل من قبلها اذ ستدور معركة سياسية حادة حول من سيؤلف الحكومة· فالنظام الملكي الدستوري البريطاني لا يعطي الملكة واقعيا حق حل خلافات من هذا النوع· يقول المنطق أن رئيس الحزب الذي فاز بأكبر عدد من المقاعد هو الذي يؤلفها أي <كامرون>، وان لم يحصل على أكثرية مقاعد البرلمان· لكن العرف البريطاني يقول بأن رئيس الوزراء الحالي يحصل على أولوية في الاستمرار والتأليف طالما أن أي من الأحزاب الأخرى لم يحصل على الأكثرية المطلوبة أي 326 مقعد نيابي· في كل حال، هنالك حاجة للائتلاف كي تشكل حكومة جديدة مستقرة الا اذا تشكلت بالتوافق حكومة أقلية وهذا حصل في الماضي منذ حوالي 40 سنة· هذا الصراع السياسي سيضر طبعا ببريطانيا ونقدها ويضيف الى الصعوبات الكبرى التي تعاني منها أوروبا بدأ من اليونان الى اسبانيا وايرلندا والبرتغال وربما أيطاليا وغيرها· سيضر هذا الصراع بالاقتصاد الأوروبي ويعزز نسبيا وضع الولايات المتحدة كقوة اقتصادية دولية فريدة· يجب أن لا ننسى أن الوضع الأسيوي يبقى مميزا، هذا اذا لم تحصل انخفاضات كبيرة غربية على طلب السلع الأسيوية وخاصة الصينية· سقوط اليورو وبالتالي ارتفاع الدولار لا بد وأن يسر الصين التي تملك أصول ضخمة محررة بالنقد الأميركي وتجعل الشراكة مع أميركا أكثر جاذبية لها· سقوط اليورو يعزز الصادرات الأوروبية أي انه ليس سلبي بالمطلق، لكنه يضر بالصادرات الأميركية أي في كل حال <مصائب قوم عند قوم فوائد>·

وضع اليورو كنقد دولي رئيسي مرتبط مستقبلا بشكل وثيق بوضع الاقتصاد الأوروبي من ناحية نموه وتنميته وقدرته على الانصهار أكثر كوحدة نقدية فضلى· سلامة اليورو على المدى القصير ترتبط بمدى قدرة الحكومات على معالجة موضوعي العجز والدين العام وهما مشكلتان كبيرتان لا تقتصران على اليونان وانما تتعداهما الى العديد من دول اليورو بالاضافة الى بريطانيا· فالظاهر من العنف الذي يحصل في شوارع أثينا أن اليونانيين غير مبتهجين للسياسات القاسية الموضوعة في الخارج والمقبولة من حكومتهم· المؤسف أن الخيارات المتاحة لهم قليلة جدا وربما معدومة، وبالتالي لا بد وأن يكون هنلك وجع كبير خاصة عند الطبقات الفقيرة·

تبعا للاقتصادي <روبرت مونديل>، من الشروط الأساسية للوحدة النقدية الناجحة هي حرية انتقال العمال من دولة الى أخرى وهذا لم يحصل بعد في أوروبا بسبب اللغة والثقافة والتاريخ والقوانين الوطنية المختلفة· العامل الثاني الأساسي الناقص هي السياسة المالية المشتركة بحيث لا يرتكز النقد فقط على مؤسسة البنك المركزي المشترك وانما أيضا على مؤسسة مالية مشتركة تماما كما هو الحال بالنسبة للدولار في الولايات المتحدة· هنالك أمور كثيرة أخرى يجب أن تعالج أوروبيا كالهجرة اليها حيث تكثر مشاكل الاستيعاب وبالتالي تتردى طرق الاستقبال مما ينعكس سلبا على صورة أوروبا كمجتمع حضاري متسامح ومنفتح على الغير· من المشاكل الأخرى هي النمو السكاني وعمر التقاعد حيث تحتاج أوروبا الى زيادة سنوات العمل وربما رفع سن التقاعد الى حدود السبعين في ظل الارتفاع المتواصل للعمر المتوقع· تحتاج أوروبا الى تحرير أسواق العمل الداخلية، أي تسهل عمليات التوظيف والطرد مما يسمح للشركات باستيعاب أكبر للعمالة الفائضة كما يعزز الانتاجية التي تبقى ضعيفة مقارنة بالولايات المتحدة·

كيف تتأثر الدول العربية النفطية بما يحصل في أوروبا؟ ينتج عنه انخفاض الطلب على النفط وبالتالي انخفاض سعره كما يحصل منذ أيام· بينما كان العالم يتخوف من صعود سعر برميل النفط الى ما يفوق الـ100 دولار، تحول القلق اليوم الى امكانية انهيار الأسعار مما يضر بموازنات الدول المصدرة للنفط· وضع العديد من الدول النفطية العربية لصناديق استثمارية يعوض عن انخفاض سعر النفط، لكنه غير كاف في ظروف تقلبات خطيرة كالتي نعيشها· أما لبنان، فيتأثر سلبا من وجود أوروبا ضعيفة نظرا الى العلاقات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية الذي تربطه فيها بالاضافة الى امكانية عودة بعض اللبنانيين الى وطنهم في حال خسروا وظائفهم·

في التأثير الايجابي ونظرا لأن الاقتصاد اللبناني مدولر ولأن أكثرية وارداتنا هي من أوروبا، يستفيد لبنان من انحدار اليورو بحيث تنخفض تكلفة الاستيراد الأساسية لحيوية الاقتصاد اللبناني من ناحيتي الانتاج والاستهلاك· كما أن انخفاض سعر النفط نتيجة الأزمة الأوروبية يخفض تكلفة الفاتورة النفطية مما يؤثر ايجابا على عجز الموازنة المرتبط كثيرا بالنفط وبأوضاع مؤسسة الكهرباء· في المحصلة، مهما بلغت الفوائد يبقى الضرر للبنان أكبر بكثير من الأزمة الأوروبية المتفاقمة·