للكبار فقط – حسان حيدر – الحياة

لم يتأخر الرد. جاء سريعاً وقوياً وحاسماً. الملف الايراني لـ «الكبار» فقط. وليس مسموحاً للاعبين الصغار، على رغم أهمية ادوراهم المحلية، ان «يتذاكوا» كثيراً فيقدموا الحقائق مقلوبة، ويغلبوا ميولهم ورغباتهم على الوقائع، ويدافعوا – عن قصد او بغيره – عن انتهاك صديقهم الايراني القواعد والقوانين الدولية ومواصلته سياسة المراوغة.

تفيد المعلومات ان البيت الابيض أصدر قبل ايام، وبعد الاعلان عن موعد زيارتي الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا ورئيس الحكومة التركية اردوغان الى طهران، تعليمات حازمة بتسريع المفاوضات داخل مجموعة الست لإنجاز مسودة العقوبات، منتقداً ديبلوماسييه على التأخير الحاصل الذي يتيح لطهران مجالاً لاستمرار تهربها عبر حصر القضية كلها في تبادل اليورانيوم غير المخصب بآخر مخصب ولمفاعل قديم للابحاث الطبية، وتصوير الاتفاق على مكانه وزمانه بينها وبين كل من تركيا والبرازيل على انه الحل الذي يعفيها من اي التزامات اخرى، وسط همروجة اعلامية وسياسية ولقطات «تاريخية».




وهكذا كان. حصلت واشنطن على تأييد موسكو وبكين اللتين طالما راهن الايرانيون واصدقاؤهم على موقفيهما، وامكان اغرائهما بالعقود وصادرات النفط. لكن المصالح الكبرى التي تمثلها العلاقة مع الولايات المتحدة لكل من روسيا والصين تفوقت على ما سواها، ولأسباب تتخطى الملف الايراني.

فما هي الاسباب التي حدت بالدولتين الكبريين الى المشاركة في اصدار مشروع قرار للعقوبات المشددة على طهران؟

مصادر مطلعة على الوضع الروسي تقول انه بما ان السياسة الخارجية الروسية يصنعها سيد الكرملين وليس الحكومة، فإن التباين الذي بدأت ملامحه تظهر منذ فترة بين مدفيديف وبوتين في شأن الملفات الداخلية والخارجية، وميل الرئيس اكثر من رئيس وزرائه الى الاهتمام بحقوق الانسان والليبيرالية الاقتصادية وتحسين العلاقة بالغرب، انعكس عملياً تقارباً مع الاميركيين في مجالات عدة كان اهمها اتفاقية ستارت-2 لخفض الاسلحة النووية التي قالت الوزيرة كلينتون ان توقيعها لعب دوراً في اقناع موسكو بالانضمام الى العقوبات.

وتخشى روسيا ايضاً من انفلات الوضع عند جبهتها الجنوبية اذا واصل الايرانيون برنامجهم النووي وقررت دول اخرى السير على نهجهم، وقام سباق تسلح صاروخي في الشرق الاوسط تكون الاراضي الروسية في مرماه، من دون اي درع حماية مماثل للذي ينوي الاميركيون نشره في النطاق الاطلسي الاوروبي.

وهناك اقتصادياً منافسة قوية غير معلنة بين روسيا وايران في سوق الغاز الطبيعي، وخصوصاً في اوروبا التي تعتمد على الغاز الروسي، حيث يمكن لطهران التي أبرمت عقداً لتزويد تركيا بالغاز ولديها خط انابيب يصل الى آسيا الوسطى، ان تصبح منافساً محتملاً لتزويد اوروبا بمجرد مد الخط التركي قليلاً الى الشمال.

اما الصين، فيشكل العامل الاقتصادي ايضاً مصدر قلقها ورغبتها في مسايرة واشنطن. ومن المقرر ان تعقد مطلع الاسبوع المقبل محادثات استراتيجية رفيعة المستوى بين البلدين تهدف الى اعادة التوازن الى اقتصاديهما. وكانت الادارة الاميركية أجلت اصدار تقرير عن سياسات اسعار صرف العملات لتجنب اتهام بكين بالتلاعب بسعر صرف اليوان وابقائه منخفضاً لتعزيز الصادرات الى الولايات المتحدة.

وعلى رغم بعض التوترات الديبلوماسية بين الدولتين، مثل استقبال الرئيس اوباما للدالاي لاما او صفقة الاسلحة الاميركية الى تايوان، فإن الروابط الاقتصادية بينهما اساسية لكليهما، ولا يمكن ان تسمحا بتعريضها للاهتزاز. كما ان بكين لا ترغب في ان تظل وحيدة في معارضة العقوبات على ايران فيما الروس يغلبون مصالحهم.

يمكن لاردوغان ولولا ان يفاخرا بأنهما توصلا الى تسوية احدى مشكلات الملف النووي الايراني الكثير التشعب، لكنها ليست سوى تسديدة خارج ملعب الكبار.