٦٤ يوماً في الطائرة: الحريري يبحث عن دور… أو سراب حسن عليق – الأخبار

منذ توليه رئاسة الحكومة، أمضى سعد الحريري أكثر من ثلث وقته في طائرته أو خارج الحدود. وبين زيارة خارجية وأخرى، يتابع دولة الرئيس شؤون إدارة البلاد التي يصعب العثور فيها على قطاع إنتاجي أو خدماتي لا يحتاج إلى إدخاله غرفة الإنعاش

يوم 23/1/2010، حطت الطائرة الخاصة برئيس الحكومة سعد الحريري في مطار رفيق الحريري الدولي. ترجّل الوزراء المرافقون لدولة الرئيس من الطائرة ليعود كل منهم إلى منزله. أما رئيس مجلسهم، فلم يخرج من المطار. وبعد الكشف التقني الروتيني على طائرته، شد رحاله إلى أرض الحجاز التي وصلها في الليلة ذاتها، في زيارة خاصة.

هذا التصرف ليس غريباً عن الرئيس سعد الحريري، مذ نالت حكومته الثقة يوم 10/12/2009. فمن أصل 160 يوماً من العمل الحكومي، أمضى «قطب الرحى» في العمل التنفيذي ما يزيد على 64 يوماً في 14 بلداً أجنبياً، قصد بعضها أكثر من مرة في زيارات خاصة. وخلال وجوده في كرسيّ الرئاسة الثالثة، لم تتجاوز المدة القصوى التي قضاها في لبنان على نحو متواصل الاثني عشر يوماً، وهي الفترة الفاصلة بين عودته من زيارة خاصة إلى فرنسا وسفره إلى روما لزيارة الفاتيكان يوم 19 شباط الماضي. والفارق الوسطي بين رحلة وأخرى يقلّ عن 6 أيام.

لكن الحق يقال. فالحريري يسعى قدر الإمكان إلى اختصار رحلاته الخارجية أو دمج العام والخاص. أبرز مثال على ذلك رحلته إلى روما يوم 16 نيسان الماضي، التي خصصت أيامها الأولى للاحتفال بعيد ميلاده الأربعين، قبل البدء بالزيارة الرسمية التي التقى خلالها المسؤولين الطليان ابتداءً من 19 نيسان. وكذلك الأمر بالنسبة إلى تقديمه واجب العزاء في الإمارات بوفاة شقيق رئيس الدولة (2 نيسان 2010)، إذ أتبعه، من دون العودة إلى لبنان، بزيارة خاصة إلى السعودية.

ومن حسن حظ الخزينة أن الحريري يملك طائرة خاصة. وإلا، وجب على دافعي الضرائب اللبنانيين أن يسددوا مبالغ طائلة لتغطية تكاليف الرحلات الـ23 (المعلن عنها) التي قام بها رئيس الحكومة في الأشهر الخمسة الماضية. فالسفر الرئاسي مكلف جداً. وعلى سبيل المثال، فإن استئجار طائرة من شركة طيران الشرق الأوسط خلال رحلتين من أصل أربع قام بها رئيس الجمهورية ميشال سليمان إلى الولايات المتحدة الأميركية، يكلف ما يزيد على مليار ونصف مليار ليرة لبنانية. وهذا المبلغ يُسدَّد من المال العام. أما الحريري، فثروته تقيه تهمة تبديد مال الدولة (في الرحلات الخارجية حصراً)، فضلاً عن كلفة السفر التي يوفرها الرجل على الخزينة، فإن كرمه يشمل الوفود المرافقة له، إذ يتكفل بنفقات إقامتها في أي فندق في الخارج.

لماذا هذه الوتيرة المرتفعة من الغربة الاختيارية؟ وما هو المردود الوطني لهذه الرحلات؟ وهل دور لبنان الخارجي كبير إلى هذا الحد؟ وفي الأصل، من يتولى سياسة لبنان الخارجية؟
أضف إلى هذه الأسئلة أن أحد السياسيين الظرفاء لم يجد بعد من يجيبه عن سؤال «يؤرقه». يقول إن المكتب الإعلامي لرئيس الحكومة أعلن أن الحريري، في أولى محطاته الخارجية بعد نيل حكومته الثقة، التقى في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن على هامش القمة العالمية لمواجهة الاحتباس الحراري، وليّ العهد الأردني السابق حمزة بن حسين. ويسأل السياسي: في أي باب من أبواب السياسة الخارجية يوضع هذا الإعلان؟

بعض الأجوبة حاضرة منذ نحو ثلاثة أشهر. فبحسب خطب الجمعة التي عممتها دار الفتوى يوم 29/1/2010، تهدف زيارات رئيس الحكومة للخارج (بينها 7 زيارات خاصة على الأقل) لتفعيل «دور لبنان على الصعيد العربي والإقليمي والدولي ولزيادة فرص التعاون بين لبنان والأقطار العربية والإقليمية». أما بعض نواب تيار المستقبل، فقد أعطوها أبعاداً أكثر أهمية، مؤكدين أنها تسعى «إلى حماية لبنان من أي عدوان إسرائيلي محتمل».

بدوره، ينقل أحد المقربين من الحريري عنه قوله إنه يعمل 18 ساعة يومياً في لبنان، وهو لا يترك دعوة من دون أن يلبيها لرعاية حفل أو إطلاق مشروع، «ولو كان احتفالاً باختراع زمّور»! وجلسات مجلس الوزراء تعقد في أوقاتها بانتظام. يضيف المصدر: لكن الانشغال الداخلي لا يلغي وجود ثلاث أولويات خارجية، هي: المساعدات الاقتصادية وإعادة وضع لبنان على خريطة المجتمع الدولي والعمل لاتّقاء العدوان الإسرائيلي، إضافة إلى تأمين تسليح الجيش اللبناني، «وخاصة بعدما كشفت معارك نهر البارد الكارثة الموجودة على هذا الصعيد». وهذه الملفات الثلاثة بحاجة إلى حركة اتصالات وزيارات كبيرة.

وينقل المصدر المقرب من رئيس الحكومة عنه قوله: «أنا لا أتسلّى في الخارج. وفي جولاتي، لا أتمكن من النوم أكثر من ثلاث ساعات. وخلال الفترة الماضية، كان ثمة حديث في أوروبا عن رغبة بعض الدول بسحب قواتها من اليونيفيل، مصحوباً بتهديدات إسرائيلية يومية. وأمام هذا الواقع، كان لا بد من استغلال كل العلاقات الدولية والإقليمية لتجنب هذه الشرور».
ويشير المقرب من رئيس الحكومة إلى أن بعض مواقف دولة الرئيس في الخارج، وآخرها في روما، كانت نبرتها مرتفعة جداً في وجه إسرائيل. «حتى إن بعض من هم في فريقه اعترضوا على تشبيهه الضجيج المثار حول صواريخ السكود في لبنان بفضيحة أسلحة الدمار الشامل في العراق، لأن في هذا الموقف استعداءً للولايات المتحدة الأميركية». ورغم ذلك، فإن الحريري، بحسب المصدر ذاته، «مقتنع بأن الكلام الذي يسمعه زعماء الدول الغربية وجهاً لوجه يخلّف وقعاً أقوى مما لو أطلق عبر وسيلة إعلامية في بيروت».

ويلفت المقرب من الحريري إلى أن السنوات الخمس الماضية شهدت شللاً على مستوى السياسة، خلال عهد الرئيس إميل لحود والحكومة التي استقال منها ستة وزراء، وكان لا بد من إزالة الصورة السابقة عن لبنان المنقسم.

في المقابل، ثمة من يعطي هذه الزيارات أبعاداً مختلفة. أحد السياسيين غير المعادين لرئيس تيار المستقبل لا يقدر على الدفاع عن الجولات الخارجية لرئيس الحكومة، بل إنه يتقدم لانتقادها. يرى أن أحد أوجه هذه الجولات يتعلق بالحجم السياسي والدولي الذي يحاول سعد الحريري إظهاره أمام سوريا والسعودية في الوقت عينه. فهو يسعى إلى القول لحلفائه في الرياض إن علاقاته الدولية والإقليمية تمكّنه من أداء الدور الذي كان يقوم به والده الراحل منذ عام 1996، والذي وصل إلى حدود الهند، حيث تمكن من ترتيب اتفاق سياسي (باسم السعودية) بين الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف وخصومه. أما تجاه سوريا، فيحاول الحريري البروز كرقم يصعب ابتلاعه أو التعامل معه كالرئيس الثالث في الشقيقة الصغرى.

وجه آخر لهذه الجولات يعطيه السياسي ذاته بعداً شخصياً. فالحريري «يشعر بالعجز عن تحقيق أي إنجاز على صعيد العمل الحكومي الداخلي، وبالتالي لا يبقى أمامه سوى الهرب الدائم، وهو المعتاد على إدارة شركات ناجحة لا على إدارة بلاد». ومن دون طائل، يحاول المصدر تفسير زيارة رئيس الحكومة لبلغاريا يوم 28/3/2010. «فلا بلغاريا دولة فاعلة، ولا علاقتها بلبنان مميزة، ولا وجود لجالية لبنانية كبرى فيها. ألم يكن من الأجدى استغلال هذا الوقت لاستكمال محاولة وضع حد لمشكلة ازدحام السير في بيروت؟».
السؤال عن زيارة بلغاريا يجد من يتبرع للإجابة عنه. يقول سياسي مخضرم إن في بلغاريا شركاء للحريري في استثماراته الخاصة، وخاصة في قطاع الهاتف الخلوي. يضيف: «هذا تفصيل. في الأصل، فإن الحركة الخارجية النشطة للحريري ليست سوى انعكاس لما يتوهّمه عن الدور الإقليمي والدولي لرئيس الحكومة اللبنانية». وبحسب السياسي ذاته، فإن الحريري «لم يدرك بعد أن الدور الإقليمي لزعماء لبنان كان مرتبطاً خلال السنوات الخمس الماضية بالصراع الدائر في المنطقة، وخاصة بين السعودية وسوريا. ومع انتهاء الصراع، انتهى الدور الخارجي لدولة الرئيس». ويستشهد المصدر بالكلام الذي صدر عن رئيس الحكومة خلال زيارته الأخيرة لروما بشأن عملية السلام في المنطقة، ثم يسأل: هل ثمة عاقل لا يدرك أن ملف عملية السلام مرتبط حصراً بشخص واحد اسمه بشار الأسد؟ ومن يتجاهل هذا الواقع، وينتقل من وهم إلى وهم، ينتهِ به الأمر بإرسال ابن عمته إلى دمشق لترتيب زيارة المديرين العامين»، مشيراً إلى الزيارة التي قام بها مدير مكتب الرئيس الحريري، نادر الحريري، لدمشق الشهر الماضي، لحلّ المشكلة الناتجة من المستوى المنخفض للوفد الإداري الذي كان سيرسل إلى دمشق لبحث الملاحظات عن الاتفاقيات والمعاهدات المعقودة بين لبنان وسوريا.

وبرأي السياسي ذاته، فإن «اصطناع وهم دورٍ خارجي لا يقنع دمشق ولا الرياض. والصلات التي أبقاها بعض الخارج بزعماء لبنانيين، مخصصة حصراً لحماية هؤلاء، من دون تمكينهم من التقدم في الملفات الإقليمية. وخير دليل على ذلك، سمير جعجع الذي أدى دوره كاملاً ضد سوريا. واليوم، علاقاته المصرية والسعودية ليست أكثر من مظلّة للحفاظ على واقعه».
وبعيداً عن النقاش في الدور الخارجي أو التمسك بسراب الدور، ثمة نقاش جانبي عن الجهة التي تمسك بالسياسة الخارجية للبنان. وبحسب الدستور، فإن من يحدد هذه السياسة هو مجلس الوزراء مجتمعاً، بناءً على اقتراحات وزير الخارجية. أما رئيس الجمهورية، فمنحته المادة الـ52 من الدستور حق التفاوض لعقد معاهدات خارجية. لكن هذه المسألة لا تزال غير واضحة المعالم، ويزيد من ضبابيتها أن معظم الدول التي زارها رئيس الحكومة سعد الحريري كان سبق لرئيس الجمهورية ميشال سليمان أن قصدها في زيارات رسمية خلال السنتين الماضيتين (فرنسا، سوريا، قطر، السعودية، إيطاليا، مصر، ألمانيا، الكويت وإسبانيا)، ما يوحي أن إدارة السياسة الخارجية لها رأسان. أما وزير الخارجية علي الشامي، فسبق أن قال لـ«الأخبار» إن «الدبلوماسية المتعددة الأوجه هي دليل عافية وقوة، لا دليل شرذمة»!

وكذلك، فإن الحريري لا يصطحب معه وفداً وزارياً في معظم زياراته الرسمية الخارجية (مثل ألمانيا وإيطاليا وبلغاريا والكويت وقطر…)، لتقتصر مرافقته على مستشاريه، وأبرزهم «وزير خارجية السرايا» محمد شطح. أما السبب الكامن خلف استبعاد الوزراء، فيجهله معظم أصحاب المعالي الذين سألتهم «الأخبار». أضف إلى ذلك، أن معظم الزيارات الخارجية لدولة الرئيس لا تتضمن توقيع اتفاقيات أو مذكرات تفاهم مع الدول المضيفة له.

في المحصّلة، يبدو أن رئيس الحكومة لن يتفوّق على نفسه ويكسر رقمه القياسي للصمود في لبنان. فأمامه برنامج عمل حافل في المطارات. ومعظم الدول التي يقصدها لا تنقطع فيها الكهرباء كما هي الحال في بلاده، ولا تعدّ زحمة السير فيها أزمة قومية، ولا يموت مواطنون على أبواب المستشفيات لأن مؤسسة الضمان الاجتماعي عاجزة، ولا تضمحلّ فيها قطاعات الإنتاج يوماً بعد آخر كرمى لعيون السياحة…