حول «نهاية شهر العسل السوري ــ العوني» – جان عزيز – الاخبار

في الصالونات السياسية المناوئة لميشال عون ـــــ وهي ليست قليلة ـــــ كلام غزير يدفق دفقاً، ويصاحبه خليط من الحبور والفرح، عمّا يسمّونه «نهاية شهر العسل السوري ـــــ العوني». واللافت في الموضوع، أن المتبارين في سوق الأدلّة على تلك «النهاية»، هم ممّن كانوا أعداء سوريا الألدّاء، حتى أسابيع قليلة ماضية. ومع ذلك باتوا اليوم يتبجّحون بمعرفتهم لأسرار مكاتب الضباط السوريين، وسبرهم لخلفيات ذهنية «النظام» هناك، وكشفهم وبوحهم بكل الحسابات المكتومة والألغاز المفهومة.

وفي جردة سريعة، تبدو أطروحات هؤلاء متراوحة بين سبب أو آخر من الأسباب الآتية:

أولاً، إن سوريا ارتاحت الآن إلى كل أوضاعها، الداخلية واللبنانية والعربية والإقليمية والدولية. وهي بالتالي لم تعد مضطرّة إلى المسايرة، ولا حتى إلى إدارة الأزمة في لبنان. بل بدأت تحضّر للإملاء وفرض ما سيكون. وفي هذا السياق، يبدو ميشال عون حليفاً مزعجاً، لكل الأسباب المعروفة والمجهولة. ولكل السوابق والتجارب، وفي كل الأحوال، يبدو تحجيمه أمراً مفيداً.

يضيف «صالوني» آخر سبباً ثانياً مكمّلاً، يعزوه إلى كواليس وستائر، يقول: في السياق نفسه، ثمّة مَن يعتقد في دمشق أن عون اعترته «نقزة» من التطورات الأخيرة المتسارعة على خط «الارتياح» السوري. وهو بات قلقاً من احتمالات «عودة» سورية كاملة إلى بيروت، تطيح كل تموضعه الاستراتيجي في الأعوام الماضية، وتقضي على كامل رصيده في بيئته، الذي صارع للحفاظ عليه، تحت عنوان مصلحة الجماعة والكيان في سياستَي «التفاهم» في الداخل، و«التعاون» في الخارج. وبناءً عليه، فإن عون قد يفكر في خطوات تمايزية، أو انعطافيّة أو أكثر، وهو ما يقتضي من دمشق الوقاية، عبر وسائل الحصار…

حتى لو لم تكن الأمور قد بلغت هذا الحد، يقاطع «صالوني» ثالث، يكفي لدمشق أن تفكر في «استمرارية» مشروعها في لبنان، مهما كانت عناوينه. وهذا التفكير يحتاج إلى بنيات ثابتة قادرة على تلك الاستمرارية نفسها. فيما عون ـــــ في ظاهرته وزعامته وحتى خطابه ـــــ لا يزال مشروعاً مرتبطاً بشخصه. حتى إن كثيرين من المحيطين به يترددون في الظهور العلني والإعلامي، لأنهم غير مقتنعين بخطابه، ويخشون أن ينكشف عدم اقتناعهم في عجزهم عن الإقناع، فضلاً عن العاجزين أصلاً عن أي ظهور… وفي حساب كهذا، لن تتردّد دمشق في الحفاظ على المكوّنات «الفردية» أو «العائلية» التي كانت وفيّة لها طيلة أعوام المحنة، ولن تتأخر في بذل الجهد لإبقائها خط دفاع ثانياً، لمرحلة آتية…

ثم هناك سبب إضافي رابع، يجتهد «صالوني» رابع، وهو أن دمشق تخطط لا شك منذ الآن ـــــ وفي سياق رؤية الاستمرارية تلك ـــــ لكيفية إخراج الاستحقاق الرئاسي سنة 2014. وهو أمر يتحدد إلى حد كبير، عبر كيفية إخراج الاستحقاق النيابي الممهّد له، سنة 2013. فإذا كان المطلوب لحدث الـ2014 شكلاً معيّناً، فهذا يحتّم أن يكون لحدث الـ2013 شكل مطابق أو ملائم. وفي هذا السياق الاستحقاق البلدي اليوم ليس إلّا «بروفا» من جهة، ونموذجاً ممكناً من جهة أخرى، ووسيلة ضرورية، لتحديد شكل الاستحقاقين المقبلين ووجهتيهما…

ثم، ماذا لو كان ثمّة سبب سادس، يقول «صالوني» آخر، مفاده أن كل ما سبق من أسباب، يروّج لها ويسوّقها ركنان فاعلان في النظام الراهن، من أصحاب المصلحة المباشرة في الاستحقاقين المقبلين، ومن أصحاب «الود اللدود» حيال ميشال عون. أحدهما يستغلّ ارتفاع أسهمه بعد موجة الانفتاح السوري ـــــ الغربي، والثاني يستغلّ اضطرار «حزب الله» الدائم للخضوع لأولويات «وحدة الصف»… ليستفيد الاثنان من هذين الرصيدين، للتسويق لكل ما سبق، وللإيحاء باجتهادات تزايد في هذا الاتجاه، باسم سوريا تصريحاً أو تلميحاً…

لا تنتهي الأسباب «الصالونية» المُتخيَّلة عند هذا الحد. بل تمضي متوالدة، على عدد الصالونات، وعدد حوارييها.

أحد العارفين بدقائق «العقل السوري»، يسمع كل ذلك ويبتسم. يكاد يضحك منها وعليها، كثيراً، كأنه الضاحك الأخير. قبل أن يجزم: هذا كلّه تخرّصات. لقد انتظرت سوريا تسعين عاماً حتى تتصالح مع «جبل لبنان». وانتظر هو القرن الكامل ذاته، ليتصالح معها. خيار الاثنين استراتيجي. والأهم أنه نهائي، لا عودة عنه، ولا بدائل له. كل ما بقي تفاصيل، لا يعوزها أكثر من Fine Tuning… اتركوهم يتوهّمون. ليست هذه أوهامهم الأولى.