مختار المخاتير: عوني أو فرعوني – غسان سعود – الأخبار

تعيد انتخابات المخاتير رسم الملامح الأولية لمدينة بيروت، مطلقة أسماءً منسيّة على الشوارع، ومقيمة الحدود بين الأحياء. الأشرفية مثلاً لم تعد أشرفيّةً واحدة، بل مقسّمة بين ما هو أشرفيّ وما هو رميليّ وما هو صيفيّ. أهالي العاصمة باتوا أيضاً عائلات أساسية وأخرى هامشية، فضلاً عن الغرباء الذين لا يحق لهم الانتخاب. ولا تكتمل اللوحة إلا بدخول رجال الدين مباشرة إلى المعركة عبر تسمية مرشحين ودعم لوائح علانية

غداً، تعود بيروت ملكية خاصة، بالبيارتة. المتسكعون في المدينة، الراقصون في علبها الليلية، صنّاع زحمتها اليومية، شعراؤها، بائعو الخُضر والهوى وأوراق اليانصيب، جامعو الأموال والتنك، وعمّال بنائها، وغيرهم كثر… لن يكون لهم صوت غداً في المدينة التي يصنعون يومياتها. فغداً، تقفل المدينة على نفسها، ولا يعلو فيها إلا أصوات المنتمين أباً عن جد إلى بيروت، الذين باتت نسبة كبيرة منهم تعيش خارج العاصمة.

في منطقتي الأشرفية والرميل، تحتدم المعارك بين الأكثرية والمعارضة السابقتين على المقاعد الاختيارية. البداية من «النهر»، صعوداً إلى تلة الأشرفية. يفصل شارع أرمينيا بين الرميل والمدوّر. شرق الشارع، في منطقة المدور التي يمثلها اثنا عشر مختاراً، لا أثر للماكياج الانتخابي، لأن معظم الناخبين من الطائفة الأرمنية، وهم مؤيّدون لحزب الطاشناق. هكذا سيخسر تيار المستقبل والنائب ميشال فرعون حتماً المخاتير المقربين منهم في هذه الدائرة.

أما في الرميل التي يمثلها 12 مختاراً أيضاً، فالأمور مختلفة. هنا تتّضح الهوية شبه القروية لبيروت. فيروي الكندرجي أباك سيسيليان أنه حين يصل فجراً إلى المحل الذي ورثه قبل نحو خمسين عاماً، يتأكد أن ملامح الشارع لا تزال هي نفسها تقريباً، كما كانت عليه قبل نصف قرن. يغلق عينيه بضع ثوانٍ ليتذكر وجوه أبناء الحي، قبل أن يجزم بأن نصف السكان على الأقل غادروا الحيّ إلى مساكن جديدة في بلدات بعبدا والمتن وكسروان. لكن يعود «الأصيلون» غداً للاقتراع؟ يعلق سيسيليان آمالاً كبيرة على الماكينات الانتخابية، مؤكداً أنه ينتظر الانتخابات ليكتشف أحوال أصدقاء الطفولة. جاره، صاحب معرض السجاد، لا يريد الانتخاب أو الكلام على الانتخابات. خلفهما، على بعد أمتار قليلة من الطريق العام، تنكشف القرية المختبئة. تضيق الطريق، تصغر البنايات، وتتوزع المنازل الصفراء بينها. وينتشر باعة الخضر ينادون سيدات البيوت بأسمائهن. تنافُس الصور واضح هنا على الجدران، وكذلك المكاتب الانتخابية.
 
ففي كل شارع تقريباً في منطقة الرميل التي تشمل أساساً منطقتي كورنيش النهر والجعيتاوي، هناك مكتب انتخابي لأحد المخاتير المرشحين، سواء على لائحة تحالف القوات اللبنانية وتيار المستقبل والكتائب اللبنانية والنائب ميشال فرعون، أو على لائحة التيار الوطني الحر والطاشناق وحلفائهما.




ويبرز الحضور الأنثوي في هذا التنافس. ففي مكتب المرشّحة رين عبد النور، قرب حديقة اليسوعية، تختلف الأجواء عمّا هي عليه في مكاتب المخاتير عادة. هنا تتضاعف الحماسة للعمل تلبية لأوامر «المختارة» التي تروي انهماكها بهموم جيرانها منذ سنوات، وشعورها أثناء نشاطها في ماكينة التيار الوطني الحر الانتخابية قبل عام بأن هناك مواطنين كثراً يرغبون بأن تمثلهم امرأة. وتشير إلى أن هناك من ينذرن لها ويضئن الشموع. لماذا؟ «لأني مهضومة، وجهي يضحك دائماً ولأن المواطنين يريدون أكثر ممن يوفر لهم إفادات الولادة والوفاة». بالمناسبة، رين عبد النور جدة ولديها حفيدان. أما منافستها على اللائحة الأخرى، ريتا كريم، فلم يتجاوز سنها ثلاثين عاماً. ضحكتها تملأ المكان دائماً. تخبر بدلال كيف اتصلت بها قيادة القوات اللبنانية لتعلمها بضرورة تجهيز أوراقها للترشح قبل نحو أسبوع فقط. وتشير إلى أنها لم تفتح مكتباً خاصاً بها لأن كل مكاتب القوات مكاتبها.
 
ريتا، العزباء، ولدت وعاشت بين الأشرفية والرميل، وهي في هذا السياق توصي المعجبين الكثر بأن لا يتعبوا أنفسهم إن لم يكونوا من الأشرفية أو الرميل لأنها، ببساطة، لن تغير مكان نفوسها، سواء أصبحت يوم الاثنين مختارة أو لم تفعل.

في الرميل، تبدو المعركة سياسية بامتياز. وبعض المخاتير الذين كانوا يعملون ضد التيار الوطني الحر في الانتخابات النيابية الأخيرة هم اليوم مع التيّار. يمثل كل من زياد ألفرد عرموني والمختار جوزف شهوان نموذجاً بارزاً. فالأول هو ابن المختار ألفرد عرموني الذي كان قريباً من تيار المستقبل. والثاني، والد رئيس نادي الحكمة، يترأس اليوم لائحة المخاتير في الرميلة، متحالفاً مع الوطنيّ الحر. الأمر الذي يعطي زخماً للمعركة العونية. وبحسب شهوان، فإن دور المختار البيروتي كبير فهو مرجعية اجتماعية توفق بين المتخاصمين وتربط بين من نزح من منزله ومن بقي في الحي. علماً بأن نسبة المشاركة الأرمنية ستحدد في الرميل هوية الفائز.
 
فإذا ارتفعت النسبة ازدادت حظوظ التيّار الوطني الحر بالربح، وإذا انخفضت تراجعت حظوظ العونيين.
ومن الرميلة إلى الأشرفية، يستصعب المرشحون أنفسهم رسم خط يفصل بين المنطقتين المتداخلتين جغرافياً وسكانياً، ما يضطر معظم المرشحين إلى تنظيم الحملات في المنطقتين. ماكينة النائب ميشال فرعون تبدو مطمئنة إلى فوزها في الأشرفية بثلاثة عشر مختاراً، لا اثني عشر كما هو محدد في القانون. والسبب أن المختار أحمد بيضون، المرشح على لائحة فرعون، لديه شقيق توأم. وترى ماكينة فرعون أن نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة واضحة لناحية القدرة الفرعونية على حسم المعركة بسهولة. في المقابل، نجح العونيون في استقطاب بعض التضامن الشعبي معهم باعتبارهم مظلومين، إذ لم يفهم كثيرون تبرير تيار المستقبل لرفضه إعطاء 3 مقاعد من أصل 24 في بلدية بيروت للتيار. ويرى العونيون أن كل ما سيحققونه، سيكون بمثابة انتصار، لأنهم لا يملكون في الأصل أي مختار في منطقة الأشرفية.

الماكينة العونية تكاد تكون نسخة عن الماكينة التطوعية التي عملت للنائب حكمت ديب في انتخابات بعبدا ـــــ عاليه الفرعية عام 2003، حيث يحتشد عونيو جبل لبنان والجنوب في مكاتب التيار لتوفير الدعم المعنوي واللوجستي. أمّا في الجهة الفرعونية، فينشط رجال الدين. المطران إلياس عودة أوصى مرشحي فرعون بالتضامن والتكاتف والابتعاد عن تشطيب بعضهم بعضاً (تضم لائحة فرعون خصوماً كاد يكون جمعهم في لائحة واحدة مستحيلاً كإيلي صباغة والياس الحايك مثلاً). راعي كنيسة مار متر، الأب ديمتري خوري، يرشح شقيقه على اللائحة الفرعونية، وراعي كنيسة السيدة الأب الياس فرح يرشح طوني رزق المقرب منه على اللائحة نفسها أيضاً. واللافت هنا أن لائحة فرعون تتجاوز العرف القائل بتوزع مخاتير الحكمة الاثني عشر على الطوائف كالآتي: 5 أرثوذكس، 2 موارنة، 2 أرمن، كاثوليكي، سني وأقليات. إذ يتوزع المرشحون على اللائحة الفرعونية كالآتي: 8 أرثوذكس، ماروني، كاثوليكي، سني وأقليات.
 
وفي سياق الكلام على الأعراف، يبدو لافتاً أن معظم المرشحين في الأشرفية هم إما مخاتير حاليون أو مخاتير سابقون أو أبناء مخاتير حاليين وسابقين، كأن العاصمة تلتزم أيضاً بتوريث موقع المختار وختمه.

بدورها، لا تعيش منطقة الصيفي التي تُمَثَّل بأربعة مخاتير أجواء معركة جدية، رغم وجود لائحتين. إذ تبدو منافسة اللائحة الفرعونية في الصيفي أشبه بمنافسة اللائحة الطاشناقية ـــــ العونية في منطقة المدور.

بيروت غداً، مدينة بلا قناع. يمكن، من يرغب، النزول إلى الشارع واكتشاف السكان «الأصيلين» لهذه المدينة.