من كترمايا إلى الأشرفيّة: جريمة الاستثمار بالدم – جان عزيز – الأخبار

ليست المسألة سياسية، ولا دينية، ولا قانونية، لا شرعاً ولا وضعاً. إنها مسألة إنسانية حصراً وبامتياز. لذلك، يجب الحديث عنها ومقاربتها مهما كان سياقها السياسي، ومهما كانت ملابساتها الدينية والقانونية. إنها قضية الاستثمار في الدم. مثلان صارخان عنها، قفزا إلى الأذهان والعيون في اليومين الماضيين: في كترمايا، وفي الأشرفية.

في الأولى، وقعت قبل أيام جريمة نكراء. شبه مذبحة. ذهب ضحيتها طفلتان وشيخان. عمل إجرامي لا يمكن فهمه ولا قبوله ولا تبريره… غير أن كل هذا لا يكفي، ولا شيء آخر يمكن أن يكفي لتغطية ما حصل في اليوم التالي. لأن الحق الإنساني المطلق في الحصول على محاكمة عادلة، لا يمكن أي وضع أن يسقطه. مهما كانت مأسوية هذا الوضع، وحرجه وكارثيته وفظاعته. ولأن قرينة البراءة تظل قائمة، وملازمة لأي مشتبه فيه، أو متهم، حتى صدور حكم مبرم. وحتى صدوره عن سلطة قضائية نزيهة عادلة ومستقلة. وحتى إبرام هذا الحكم في مجتمع تسوده العدالة الديموقراطية في نظامه وبناه الدولتية ومؤسساته الدستورية.

كل هذا استبيح في كترمايا. ولم يجد من يدافع عنه بالجرأة المطلوبة. ولم ينبر في كل هذا الشيء الاسمه وطن ودولة. من يعلن أن الفجيعة باغتيال أبناء كترمايا الأربعة، لا يعادلها إلا الفجيعة باغتيال حق إنساني أصيل مطلق في اليوم التالي. وأن الحزن على الطفلتين والشيخين، لا يوازيه إلا الأسى على انعدام ثقافة حقوق الإنسان، وثقافة دولة الحق، وثقافة الخروج من القرون الوسطى والمفاهيم الغيبية وشريعة الغاب.

قد لا يكون هذا الكلام مربحاً للسياسيين، لكن السكوت عنه لا يمكن أن يكون إلا خسارة لوطن الحداثة ودولة المعاصرة ومجتمع السماح والجماعة البشرية المؤمنة بقدسية حياة شخص الإنسان وكرامته الأصيلة.

وسط ما حصل في كترمايا، كان المطلوب من أحد المعنيين بالأنظمة المفهومية والقيمية لتلك الجماعة المفجوعة بخسارتها الرباعية، أن يعترف لها، ويجعلها تعرف أن ما حصل ضد طفلتيها وشيخيها جريمة ارتكبت عن قصد وعمد. لكن ما حصل في حق المشتبه فيه جريمة أيضاً مرتكبة بالقصد من دون العمد. وهي ـــــ وإن كانت تستحق قانوناً كل أسباب التخفيف ـــــ تظل جريمة… ليظل غياب الجرأة الأدبية عن قول ذلك جهاراً وصراخاً، جريمة ثالثة، بحجم سلطة وطبقة سياسية كاملتين.

أما في الأشرفية، فقد كان الجرم موازياً، لجهة الاستثمار في الدم، وإن كان أقلّ تنكيلاً مشهوداً. في الأشرفية، جاء المرشح لرئاسة بلدية بيروت ـــــ الفائز حكماً، بحكم تزكية العصبيات ـــــ لزيارة منزل آل مراد، وهو البيت الذي يحمل في صدره إطاراً فضياً يحبس رفيقاً لدرب جبران تويني. ومن هناك دعا المرشح المقصود، إلى أن «تقترع بيروت يوم الأحد المقبل… للشهداء». وهو يقصد طبعاً أن يقترع الناس للائحة التي عُيّن على رأسها، وصارت سابقة لنتائج الاقتراع.

أي دلالات وخلفيّات صريحة ومباشرة يمكن استخلاصها من هذا الكلام؟ هل يقصد المرشح الحريري مثلاً، أن سوريا هي من قتل شهداء بيروت. وبينهم جبران ورفيقاه؟ وفي هذه الحال، كيف يوفق بين تعبئته البلدية الغرائزية، وأداء فريقه النيابي والحكومي والسياسي؟ أم يقصد أن حزب الله وميشال عون، الغائبين الوحيدين عن لائحته المزكاة، هما المسؤولان عن جرائم الاغتيال، بما يستدعي «الاقتراع ـــــ العقوبة» ضدهما؟ وفي هذه الحال، لماذا لا يطرح من نصَّب هذا المرشح في البلدية، تلك الإشكالية في حكومته، أو على طاولة الحوار، أو في أي منتدى سياسي آخر ممكن ومتاح؟

أما إذا كانت لدى هذا المرشح معلومات أخرى عن جريمة 12 كانون الأول 2005، فلماذا لم يعلنها إلا قبل يومين من انتخاب مختار في الأشرفية؟ ولماذا لا يفاتح أهل الشهداء بها؟ ولماذا لا يسأل ـــــ كما فعلنا وسنظل نفعل ـــــ عن سيارة جبران قبل الاغتيال، ومع من كانت ولماذا، وعمّا إذا كانت هذه المسألة قد استنفدت تحقيقاً وتقصّياً.

أما إذا كان قصد المرشح نفسه استعادة كرامة بيروت، أفلم يكن الأجدى به أن يتعهد مثلاً استرداد مفتاحها الذي قدمه خلفه وحليفه وولي ترشيحه وتزكيته، إلى ضباط استخبارات؟
الاستثمار في الدم، صمتاً كما في كترمايا. أو تخرُّصاً كما في الأشرفية، جريمة، فيها الذنب، وفيها العيب، وفيها ما تخجل الكلمات عن قوله