دلالات سياسية ورسائل في حفل السفارة السورية – سمير منصور – النهار

لم يكن استقبالاً عادياً تقيمه سفارة دولة عربية لمناسبة عيدها الوطني.

كان أكبر بكثير بدلالاته السياسية، فهي المرة الاولى في تاريخ العلاقات اللبنانية – السورية يقام الاحتفال بعيد الجلاء (جلاء القوات الفرنسية عن سوريا عام 1946) بهذا الشكل الرسمي والمعبّر بعدما ارتقت العلاقة اللبنانية – السورية الى مستوى علاقة بين دولتين، أو بعدما بدأت ترتقي الى هذا المستوى في الشكل والمضمون، بدءاً بالتفاهم على قرار انشاء السفارتين وتبادل السفراء. وللمرة الاولى لم يكن الاحتفال في مناسبة وطنية سورية في لبنان، على همة جماعة او حزب او تنظيم او حتى جمعية تقيم الاحتفال لتحصل على "برافو" من "المعلم" في اطار تبادل الخدمات!




ولا مبالغة في القول ان احتفال السفارة السورية في لبنان بالعيد الوطني السوري كان حاشداً، وقد نافس في كثافته الحضور الرسمي والسياسي والاعلامي والحزبي من اقصى اليمين الى اقصى اليسار، احتفال السفارة الفرنسية في قصر الصنوبر في ذكرى 14 تموز، او احتفال السفارة الاميركية في "عز" سطوتها.

ولم تكن اهمية الحشد في عدد الدعوات التي وجهت بل في حجم تلبيتها. وهو ان دلّ على شيء فعلى رغبة لبنانية في افضل العلاقات، وعلى تأكيد ان العلاقة بين لبنان وسوريا يمكن، ويجب ان تكون، اكثر من طبيعية واكبر بكثير من حصرها في الامن والمخابرات، او ان يعهد فيها حصراً الى العسكر، وقد اثبتت هذه السياسة عقمها منذ الانقلاب الذي قام به حسني الزعيم في سوريا عام 1949. فالسياسة هي التي تأتي بالأمن وبالاقتصاد وبالازدهار وتؤمّن المصالح المشتركة بين الشعبين والدولتين الجارتين الشقيقتين، شرط حسن الاداء وصفاء النيات والترفّع عن المآرب والغايات والمنافع الشخصية.

وبدا واضحاً ان السفير السوري في لبنان علي عبد الكريم علي نجح في اعطاء صورة حضارية عما يمكن ان تكون عليه العلاقة بين البلدين، ليس فقط من خلال الحشد السياسي المتنوّع الذي لبى دعوته في بيروت مساء الاثنين في 19 نيسان، بل من خلال ادائه وزياراته المدروسة واطلالاته الاعلامية الرصينة وغير المبالغ فيها، والتي لم تبلغ – اقله حتى الآن – حد الادلاء بتصريحات بمناسبة وغير مناسبة، تنم عن تدخل في زواريب السياسة اللبنانية. وبعض السفراء ولا سيما من ممثلي دول غربية كبرى لا يترددون في الادلاء بدلوهم والتدخل حتى في الانتخابات البلدية والاختيارية!

وبعض اللبنانيين ممن يعرفون السفير السوري، يتحدثون عن مزايا عند الرجل، يمكن ان تساهم في تصحيح شوائب المراحل الماضية وتخدم بناء علاقة لبنانية – سورية ترتقي الى مستوى الصدق والاحترام المتبادل، بعيداً من المصالح الشخصية والفردية. وللرئيس سليم الحص المعروف بحرصه على افضل علاقات بين لبنان وسوريا، مقال شهير كتبه في "النهار" في "عزّ" الوجود العسكري السوري وما عُرف بـ "زمن الوصاية"، وفحواه ان "العلاقة بين لبنان وسوريا اكبر بكثير من ان يوكل امرها الى ضباط المخابرات" سواء في لبنان او في سوريا، وبعيداً من اي تقويم شخصي، ومع عدم تجاهل اهمية الامن والتنسيق بين دولتين كلبنان وسوريا، ولكن العلاقات لا تكون سوية اذا حصرت بالأمن وتبادل المعلومات.

ولعل الرسالة الأبلغ التي عبّر عنها الحضور اللبناني الكثيف في حفل السفارة السورية، هي التعبير عن طموح الجميع ولا سيما الخصوم، الى علاقات أفضل مع دمشق. ولم يكن "مهضوماً" اسلوب التهكّم السياسي والاعلامي اللبناني على بعض من لبّوا الدعوة من خصوم سوريا السياسيين، اذ انه لم يكن المهم حضور "اهل البيت" من الاصدقاء والحلفاء والمؤيدين وحتى المتملقين، فهم "تحصيل حاصل"، بل كانت اهمية المناسبة في هذا الحشد المتنوّع ولا سيما من المختلفين مع سوريا او خصومها او حتى "أعداء" الأمس. فقد "تحوّل" كثيرون من هؤلاء منذ سنوات بعدما كانوا في مواقع متقدمة أكثر بكثير في الحرب على سوريا وجيشها في لبنان، من هؤلاء الذين بدا حضورهم مستهجناً، مع ان المستهجن كان عدم حضورهم وهم الذين طالبوا بعلاقات "بين دولة ودولة" وما شابه.

وكان الأهم في معاني الصورة الرمزية في قاعة "البافيون رويال" في مجمع "بيال" على شاطئ بيروت، ان الحشد لم يأت مكرهاً أو بناء على تعميم أو ايعاز، بل جاء بملء إرادته بعيداً من أي ترهيب أو ترغيب. وأفضل العلاقات هي التي تكون نتيجة اقتناع وإقبال متبادلين لا تحت الضغط والإكراه. والأهم ان يكون الاقبال متبادلاً ولا سيما على مستوى عامة الناس، ولم يكن للبنان او سوريا مشكلة على هذا المستوى. وبدون الشعوب لا يستطيع الحكام ان يقيموا علاقات طبيعية بين دولتين، والعكس صحيح.

وثمة تجربة استذكرها احد السياسيين على هامش حفل السفارة السورية، وتروى نقلاً عن الزعيم العربي الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عندما زاره السياسي اللبناني العريق "في الظل" حكمت قصير بناء على طلب من صديقه الرئيس الموريتاني مختار ولد داده، للحصول على اعتراف مصري باستقلال موريتانيا عن المغرب، يضمن اعتراف سائر الدول العربية، وقد نجح في وساطته. ويومها، قبل نحو 45 عاماً، قال عبد الناصر لحكمت قصير: العلاقات بين الدول لا تفرض فرضاً. اما ان تكون نتيجة اقتناع متبادل واما لا تكون…

ولعل المشهد في مجمع "بيال" مساء الاثنين، شكّل خطوة صادقة في هذا الاتجاه!