دمشق لم تتغير لكنها لم تستعد نفوذها السابق تماماً – روزانا بومنصف – النهار

في الذكرى الخامسة لانسحاب الجيش السوري من لبنان (26 نيسان) التي تصادف غدا، لا تبدو الصورة مطمئنة الى غالبية الاوساط السياسية وغير السياسية في ضوء سؤال تساهم مواقف المسؤولين الكبار في وضعه في الواجهة. وهو هل عادت سوريا الى لبنان فعلاً بنفوذها الى الحد الذي يسمع فيه اللبنانيون خطابات ومواقف  تذكر بالتدخل السوري قبل الانسحاب في الشاردة والواردة ام ان المسؤولين اللبنانيين يساهمون في تظهير هذا الواقع او هي سوريا التي تسعى الى تظهير ذلك؟ وتبعاً لذلك هل تغير السوريون فعلا نتيجة التجارب السابقة وتعلموا ام ان هذا التغيير شكلي على خلفية تضافر جملة عوامل ساهمت في استعادة سوريا الكثير من الاوراق وحتى الموقع الاقليمي من دون دفع الاثمان المتوجبة لذلك؟ اذ ان المواقف اللافتة لا تقتصر على مرجع رسمي واحد بل تبدأ برئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ولا تنتهي بموظفين كبار لفتوا بتصريحاتهم الاخيرة الى المدى الذي يظهرون فيه عودة المظلة السورية الى لبنان.

وواقع الامر الذي لا يمكن تجاهله ان متغيرات كثيرة حصلت في الاشهر الاخيرة شكل التقارب السعودي السوري معلمه الاساسي لها بعدما كانت المملكة العربية السعودية تحفظت عن فتح فرنسا الباب امام سوريا استعادة مواقع نفوذها في لبنان. في حين ترى مصادر وزارية معنية ان النظام السوري لم ينسحب من لبنان لكي يعود اليه بل بقي موجوداً بعد انسحاب قواته العسكرية وهو يسعى الى كسب اوراق جديدة تعزز نفوذه بعدما ساهم انسحابه في تفويض الوضع اللبناني والامساك به الى "حزب الله". وقد اعادت سوريا استرجاع بعض ما فوضته الى الحزب خلال التوافق السعودي السوري بعد الانتخابات النيابية اللبنانية الاخيرة باعتبار انه حين كانت سوريا مكلفة ادارة الوضع في لبنان كانت هي بمثابة ممر لسلاح الحزب بكل ما يعنيه ذلك الى كونها مقرراً للوضع في لبنان. لكن بعد انسحابها اقتصر دورها على ان تكون الممر من دون ان تكون في وضع المقرر. هذا التوافق  ادى الى مماحكة في تأليف الحكومة يعود سببها الى عدم رغبة في التسليم الايراني بهذا التوافق على نحو مشابه لما يحصل في العراق حالياً حيث لا تقر طهران بأن اياد علاوي فاز في الانتخابات وتحاول منعه من تأليف الحكومة على رغم التوافق السعودي السوري الذي حصل والدعم السني الكبير الذي حظي به انتخاب علاوي.




 ومع ان التوافق السعودي السوري يعتبره كثر مماثلاً للصفقة الاميركية السورية عام 1990 التي أعطت سوريا الضوء الاخضر لاطاحة العماد ميشال عون في قصر بعبدا وارساء الوصاية على لبنان، فان واقع الامر ليس مماثلاً وهو لا يعكس ترجمة حقيقية لما حصل وان يكن ينبغي الاقرار بان سوريا يمكن ان تستفيد الى حد بعيد بناء على تجربتها في لبنان وقربها الجغرافي وتأثيرها في الكثير من مكوناته الاجتماعية والسياسية من هذا التوافق في محاولتها كسب نقاط او اوراق لمصلحتها في حين ان الجانب السعودي، اي الطرف الاخر من هذا التوافق لا يظهر متابعة مماثلة للتفاصيل اللبنانية كما حصل في مرحلة الحرب التي ادت الى انزلاق الوضع شيئاً فشيئاً الى الحضن السوري. أضف الى ذلك واقع تضافر جملة عوامل اقليمية ودولية ساهمت في انفتاح الدول الغربية ولاحقاً الولايات المتحدة التي قررت ارسال سفير جديد الى سوريا ولو لأسباب محددة شرحتها الادارة الاميركية تتعلق بافهام سوريا الرسائل التي يجب ان تفهمها لكن الخلاصة بالنسبة الى سوريا  ان انفتاحاً حصل وأن كان لا يتسم بحرارة ولكنه ليس عدائياً ايضاً.

هذه المعطيات ساهم تضافرها  في تعديل مسؤولين لبنانيين عدة في مواقفهم ولعل ابرز من يعبر عن ذلك هو رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الذي قدم رسالة بالمضمون نفسه الى رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع علما ان مصادر متصلة بجنبلاط  تقول ان قراءته للمعطيات اعادت رسم رؤية جديدة للعلاقات لكنه لا يزال يتمسك بالاسس التي حددها في 2 آب اي اتفاق الطائف والعلاقات مع سوريا على اساسه واستيعاب سلاح "حزب الله" تدريجاً في وقت ما ضمن الدولة  ولم يذهب الى الطرف الاخر كما كان يراهن البعض وهو له اسلوبه الخاص في التعبير.

الا ان هذا لا يعني ان النظام السوري تغير ولا انه استعاد موقعه السابق في لبنان وخصوصا ان احتفال السفارة السورية الاخير شاهد على انجاز تحقق وابوته تعود الى قوى 14 آذار وان يكن الرئيس السوري عزا الفضل الى قراره هو وفق ما جاء في حديث صحافي اخير له. وتفاصيل السياسة اللبنانية لم تعد تتقرر عبر المسؤولين السوريين وفق الدليل الابرز على ذلك وهو الانتخابات البلدية والاختيارية المقبلة على غير ما حصل مثلاً في 2004.  قد يكون النظام السوري اعتمد اسلوباً او تعاطياً هادئاً أكثر لكن عارفيه لا يستطيعون الجزم بانه تغير في حين يأخذ عليه خصومه انه يتعاطى عبر الادوات والسبل نفسها التي تعاطى فيها في ما مضى مع اللبنانيين بغض النظر عن اهمية هؤلاء.

وينبغي الاقرار بأن الكثير من محاولة النظام السوري تجميع اوراق في لبنان او استعادتها تشكل مصدر قلق بالنسبة الى مراقبين محليين وخارجيين كثر، الا ان هؤلاء يعتقدون ان مساراً لبنانياً غير عدائي مع دمشق ينبغي ان يسمح برسم حدود تمنع تكرار الماضي مع ضرورة حرص المراجع اللبنانية على عدم اعطاء النظام السوري  أبعد مما يريده وفق ما توحي مواقف كثيرة ينتقد المسؤولون بعضهم البعض في شأنها في المجالس الخاصة ومن دون الظهور الى العلن وتخيف اللبنانيين من حيث مساهمة مسؤوليهم في اعادة الامور الى الوراء وليس السوريين انفسهم على نحو مباشر. كما يبرز سؤال يتصل بمحاولة معرفة كيف يمكن ان يكسب فريق لبناني على فريق اخر في ظل هذه المعطيات أم ان ثمة تجاهلاً أو تعاميأ عن مكاسب لطرف خارجي أياً يكن قريباً او صديقاً ولكن ليس للبنانيين أنفسهم؟