تقرّح العينين وحسرة القلب – مروان اسكندر – النهار

التقيت راهبة جليلة وديناميكية تنشط في نطاق رعاية المسيحيين ومساندتهم عبر العمل الاجتماعي في القدس.

وكان لي حديث معها عن أوضاع المسيحيين في القدس ونظرة الاسرائيليين الى لبنان.




افادتني في ما يخص الجزء الثاني من حديثنا ان الاسرائيليين يعانون عقدة الحسد بالنسبة الى قدرة اللبنانيين على اعادة بناء وسط بيروت بحسب شروط فنية متطورة وجعل الوسط من جديد مركزاً ناشطاً للاعمال والمؤسسات الحكومية والخاصة، وموقعاً تكثر فيه المظاهر الفنية والتجارية. كما انهم مغتاظون من نجاح اعمال اعادة اعمار الضاحية الجنوبية التي بذلوا جهوداً تدميرية لتسطيحها، ومعجبون من قدرة القطاع المصرفي على التطور والتوسع وتنويع خدماته في سنوات الازمة المالية العالمية.

وحيث اني أمارس رياضة المشي صبحا وأتوجه الى أطراف وسط بيروت عبر جسر الرئيس فؤاد شهاب، وجدت الحسرة تعصر قلبي من مناظر تقرّح لا تزال تطغى على بعض المباني ذات التاريخ المرتبط بالعصر الذهبي لبيروت، ومبنى كان من المفترض ان يكون المركز الرئيسي للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

وهناك مبنى فندق "السان جورج"، الذي كان مركز التقاء السياسيين ونخبة المجتمع اللبناني والضيوف الاجانب، تعلوه لافتة تعبر عن سخط اصحابه على اهماله. والواقع ان خراب الحرب اللبنانية، ومن بعد اضرار الانفجار الذي أودى بحياة الرئيس رفيق الحريري، لا تزال هي هي منذ عام 1975، وقد كنت على شرفة هذا الفندق يوم 13 نيسان 1975 عندما بدأت الحرب اللبنانية واستعرت في ما بعد لتشمل الفنادق القائمة في محيط "السان جورج" اضافة الى الفندق العريق نفسه.

والى غرب "السان جورج" نجد هيكل فندق "الاكسلسيور" الذي كان يضم أشهر ناد ليلي "كاف دي روا"، الشبابيك مسدودة بالباطون، والبوابة الحديد الى الحديقة الرائعة سابقاً، تعلوها الاشجار الباسقة وتغرد فيها العصافير، ولا شيء غير ذلك.

جنوب الفندقين، هناك مبنى مجمع السان شارل الذي كان يزخر بمكاتب الشركات الاجنبية، وفندق سعته 500 غرفة ومطعم دوار في أعلى المبنى.  هذا المجمع هو الاكبر مساحة في لبنان اذ تبلغ مساحته المبنية 150 الف متر مربع، لم يرمم منها حتى تاريخه سوى عشرة آلاف متر مخصصة للادارة العامة لأحد المصارف العشرة الكبرى في لبنان.

وبالعودة الى الاشرفية عبر جسر فؤاد شهاب يواجهنا مبنى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي حيث نشهد، اضافة الى الخراب، غسيل بعض المحتلين حتى اليوم منشوراً على شرفاته.

لا شك في ان اعادة اعمار الفنادق الثلاثة وتنشيطها، وتجهيز مبنى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي تساهم في ازالة التقرح الواضح والصافع. مع العلم ان اعادة اعمار الفنادق الثلاثة وتنشيطها هو من مسؤولية اصحاب الملكية، ولديهم فرص نادرة لتعويض ما اصابهم لكنهم يمتنعون عن القيام بالإصلاحات واعادة الحياة الى هذه المباني.

ان الملكية الخاصة في لبنان محمية قانوناً، وهذه الحماية هي من اسباب ازدهار البلد ومن دعائم النظام الاقتصادي الحر، لكن اهمال اعمال اعادة التطوير لمعالم تمثل جزءا من تاريخنا الحديث امر غير مقبول.

بعد الحرب العالمية الثانية، والتدمير الهائل الذي لحق ببرلين وبالعديد من المدن الرئيسية في المانيا، باشرت بلدية برلين، بعد استعادتها دورها، تأمين تمويل اصحاب المباني الرئيسية التي كانت من معالمها الرئيسية، شرط ان يباشروا اعمال التطوير في فترة زمنية معقولة. وان لم يفعلوا ذلك، كانت البلدية تباشر أعمال التشييد والتطوير وتعمل على استثمار المباني المعنية، وبعد استعادتها تكاليف اعادة الاعمار، تعيد الاملاك الى اصحابها الاصليين ممن تمنعوا عن المبادرة الى التشييد والتحسين.
اننا نعلم ان القانون في لبنان لا يسمح للبلدية أو أي هيئة حكومية أخرى بالقيام باعمال مماثلة فيه.

وفي الوقت ذاته ندرك ان عدم تطوير وتشغيل فنادق "السان جورج" و"الاكسلسيور" و"الهوليداي ان"، وكذلك مبنى الضمان الاجتماعي تضر الى حد بعيد بامكانات لبنان السياحية، وامكانات بيروت التطويرية في الوقت ذاته.

وعلى سبيل المثال، ثمة مشروع لانشاء فندق متميز ومركز تسوق ومبان سكنية على الارض الواسعة المتاخمة لمبنى الصندوق الوطني. والمشروع في خصائصه يقرب من مشروع تطوير المساحة الواقعة تحت تمثال رياض الصلح، وانجاز المشروعين على الجهتين المتقابلتين من جسر رياض الصلح أمر يساهم في تحسين صورة العاصمة وزيادة الوحدات السكنية ومراكز التسوق في محيطها. وأصحاب المشروع المتاخم لمبنى الضمان الاجتماعي على استعداد لمباشرة العمل في مشروعهم شرط ألا يبقى مبنى الصندوق الوطني على حاله المزرية.

وما يزيد الحسرة ان مبنى الصندوق الوطني تم تملكه قبل سنوات، وادارة الصندوق تعاني ضيق مساحات الادارة العامة وهي متمركزة في مبنى سكني أصلاً، وقد اختير هذا المبنى المهمل بسبب مواصفاته الانشائية التي تؤمن فاعلية في تصريف الاعمال واحتواء الادارة العامة في حال اعادة البناء والتجهيز بمواصفات حديثة.

ثمانية عشر عاما انقضت على توقف الحرب في لبنان، وخلال هذه الفترة انجزت اعمال اعادة تجهيز فندق "الفينيسيا" الذي أضيف اليه عدد ملحوظ من الغرف وفندق "الفاندوم"، وانجز مبنى فندق "الهيلتون"، وافتتح فندق "الفورسيزنز"، ومع ذلك لا تزال تصفعنا مباني الفنادق الرئيسية المهملة ومبنى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. فهل نجترح معجزة المبادرة ولو في مقابل تعنت غير مبرر أو اهمال من أصحاب المشاريع المعنية؟