الدرس الدمشقي، كي لا يبدو أوغاسبيان انكشاريّاً – جان عزيز – الأخبار

من المهم أن يكون شخص مثل جان أوغاسبيان على رأس الوفد إلى دمشق. لا لأهميته بعينه، بل لدلالته على فئة وواقع ومشكلة فعلية، لا بد من مقاربتها. لفهم الأمر، تكفي العودة بعض الشيء إلى الوراء، وتحديداً إلى الثالث من حزيران، أي قبل أقل من 40 ساعة على الانتخابات النيابية. يومها، وقف أوغاسبيان مع حلفائه، في قلب منطقة الأشرفيه بالذات، ليعلن بالحرف ما يأتي:

«إن هذا الفريق (أي ميشال عون) يريد لبنان ساحة مفتوحة لحروب الآخرين، وقد كشف عن ذلك الرئيس الإيراني أحمدي نجاد»… «إن ثقافتنا هي الديموقراطية لا الديكتاتورية التي تؤمن بالقائد الواحد، ونحن متمسّكون بلبنان السلام والاستقرار والحياة الكريمة لكل أبنائه، الذي تقرر دولته وحدها وليس الدول الغريبة قرار الحرب والسلم، بحماية جيشه الباسل البطل، الذي لا نريد سلاحاً إلا معه»… «إنهم يعدّون لانقلاب كبير يلغون فيه الميثاق الوطني وصولاً إلى تغيير النظام كما يصرّحون في خطاباتهم»… إن «لبنان في خطر والجمهورية في خطر، وخطّنا السياسي التاريخي المسيحي في خطر، لأن فريق 8 آذار يهدد بحرب إلغاء جديدة، إذ لم يكتف بحرب الإلغاء الأولى التي ضربت المجتمع المسيحي وقسّمته وأضعفت دوره السياسي، وحرب التحرير الثانية التي أدت إلى تسليم قصر بعبدا ووزارة الدفاع إلى الجيش السوري. وها هو اليوم، يخوض حرباً ثالثة بالسياسة والانتخاب كي ينقلب في السابع من حزيران على الطائف». قبل أن يستنتج أوغاسبيان اتهامه الشهير لعون بأنه «أدخل السوري إلى المناطق المسيحية في 13 تشرين 1990، وأنه يُعدّ الآن لإدخال الإيراني إلى الأشرفيه في 7 حزيران 2009».




طبعاً، لم يكن في مقدور أوغاسبيان أن يسأل من التقاهم في دمشق عن صحة ما تنبّأ به قبل عشرة أشهر. وحتماً هو تجنّب كلياً التدقيق معهم في دقة مقولاته عن «القائد الواحد» و«الدول الغريبة» و«الجيش الذي لا سلاح إلا معه»… كما عن سيناريوهي الاجتياحين السوري والإيراني… لكن الأهم يظل في أن يكون بمقدور هذا الخطاب وأصحابه أن يسائلوا أنفسهم، لا أيّ شخص آخر، عن صوابيته في السياسة، وعن جوازه في أخلاق السياسة. أصلاً، كل أقلية ضمن أكثرية تعيش هذا المأزق المتجاذَب في وجدانها وواقعها: بين أن تُتّهم بالانعزال، أو تُتّهم بالذمية. إذا أخذها خوفها على ذاتيّتها نحو إقفال الذاكرة والحق في بلورة الهويات الخصوصية، قيل إنها انغلاقية، وهُوِّل عليها بأنها تعمل على قتل نفسها بالانهيار. وإذا ما أخذها قلقها صوب التماهي مع الآخر الأكثري، قيل إنها إمحائية، ووُسمت بالعمل على إلغاء ذاتها، بالانصهار…

أهمية الخطاب المنبوش من أدبيات الاستحقاق الانتخابي، أنه يعود إلى فكر يمثّل نموذجاً للوجدان الأقلّوي. فصاحبه ابن أقلية مثلثة. فهو أوّلاً، ابن دائرة أقلّوية ضمن الجماعة الأرمنية. وثانياً، هذه الجماعة تمثّل أقليّة ضمن المسيحيين في لبنان. وهؤلاء يمثّلون ثالثاً الأقلية ضمن محيطهم والمنطقة. قد يرى البعض أن صاحب هذا القول لم يشذ عن القاعدة التي خضع لها سعد الدين الحريري أو وليد جنبلاط مثلاً، بين الانتخابات وزيارتيهما إلى دمشق. وبالتالي، إن اتسام خطابه في حزيران بهذا الطابع «الأناكروني»، أو كأنه خارج سياق الزمن، لا يختلف عن أي مقارنة أخرى لخطاب الآخرين. لكن يبقى فارق أساسي بين النماذج الثلاثة المذكورة.

فالحريري، مثلاً، اتهم بشار الأسد أمام لجنة التحقيق الدولية بتهديد والده وعائلته، من أجل مصلحة جماعته الكاملة وموقع جماعته الكاملة في اللعبة والسلطة والنظام. والحريري عاد عن ذلك الخطاب سنة 2010، في سبيل تلك الأهداف «الجماعية» نفسها… ووليد جنبلاط استخرج ذلك القاموس الحريري قبل أربعة أعوام، لأنه كان مؤمناً بأن ذلك من مصلحة جماعته ومزاجها العام الساحق، ثم اعتذر وندم وانسحق والتحق بعد أربعة أعوام، في سبيل الغايات «العامة» ذاتها…

لكن لمصلحة من قيلت خطابات الأشرفية قبل عشرة أشهر؟ ولمصلحة من يجري الانقلاب عليها من أصحابها اليوم؟ ليس المطلوب التماهي مع سخافة الذميّة، ولو عرفت كل التبريرات الدوغماتية. ولا المرجو طبعاً الانعزال مع عنفوان تسويغي أجوف. فبين الاثنين، ثمة مساحة تبدو كافية للعيش الحر الكريم، حتى يقضي الله أمراً، من نوع إطار دولتي لمحيطنا، لا يلتئم في ظل آيات دينية. فماذا لو تمعّن أصحاب خطابات الأشرفية، عشية استحقاقها الجديد ـــــ وقد يكون أوغاسابيان أقلّهم حاجة ـــــ في تجربة ميشال عون من دمشق؟ ألا يجدون فيها تسوية مشرّفة تجنّبهم أن يظهروا كأنهم ممن يستقوون على من يتوهّمونه ضعيفاً، أو يُستضعفون أمام من يعتقدونه قوياً، فيخطئوا في التقديرين وفي الحالتين؟ ألا تقيهم حرج أن يظهروا كأنهم انكشاريون، وهم الأقلّويون المثلثون؟ ليس المطلوب أن يعلنوا جواباً، بل مجرد أن يستخلصوا العبر في النهج والسلوك، ولو بصمت.