ويبقى وليد جنبلاط المعادلة الصعبة – إيناس نويهض

تختلف الآراء والتحليلات كل حسب منظورة ومفهومة للأمور ويتناسب ويتعارض مع مصلحته وميوله، نلاحظ في الآونة الأخيرة إستمرارية ردود الأفعال وخاصة بعد زيارة رئيس اللقاء الديمقراطي والحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط إلى سوريا وعلى تصريحاته ومقابلاته التي تتصدر صفحات الجرائد وعناوين الأخبار يُعبر عنها بالقول والكلمة… المستغرب أن بعض هذه الردود تنم عن سطحية في تفسيرها لها وجهل بمضمونها فيتبين الشتات في الأفكار والتعليقات والبعد عن واقعها ومعناها، وبعض آخر ينبري بردة فعله من منطلق طائفي أو حزبي كان في يوم من الأيام في موقع المواجهة والخصم للاشتراكي سابقا، وآخرون لم يصلها المقصود من هذه التصريحات أو أنهم يواربون عن فهمها بتفسيرها فيعتبرونها تهجما أو تصويبا بعدائية عليهم وإغفال المضمون الحقيقي حين وجه حديثة إلى مسيحيي لبنان تحديدا ولأقطابهم فيأتي من يتمنطق بأن جنبلاط غير مطالب بالحديث عن المسيحيين وكأن الصيغة المفروض العمل بها هي "نحن" و"أنتم" في البلد الواحد وتعزيز الانقسام الطائفي، وبعض يستدرك نفسه بأنه يجب أن يصدر تعليقا ما فقط للتعليق كما فعل غيره ليس إلا، هل هذا هو المطلوب؟!

وليد جنبلاط الرافض للطائفية والتقسيم في لبنان والرافض للتسوية بين لبنان واسرائيل والمطالب بالعودة إلى الهدنة وإيجاد حل للوضع الفلسطيني في لبنان والذي يعمل جاهدا لتقريب وجهات النظر بين أبناء البيت الواحد اللبناني على اختلاف أطيافه وما يقدم من تنازلات للمّ الشمل اللبناني وهو الذي ورث إرث العلمانية ورئاسة حزب يرفض التمييز بين لبناني وآخر بدليل مبادئه واختلاف طوائف المنتسبين إليه وليس عقائديا كسواه من الأحزاب التي تضع الطائفية نصب عينها وصلب مبادئها وشرطا رئيسيا للانضمام إلى صفوفه، نسمع اليوم من يقول له أنه لا يحق له أن يتكلم عن المسيحيين وكأنهم ينتمون إلى عالم آخر غير لبنان ولأنه يرفض الانعزالية والتقوقع الطائفي ويطالب بالحرية والانفتاح على العالم العربي والعالمي حفاظا على لبنان وهو البلد الأول والوحيد الذي في المواجهة مع إسرائيل عند أي تحرك عسكري عدائي لها ولعلهم ينسون بأن العدو الأول والأخير هو إسرائيل التي تسعى دائما للحروب والتوسع على حساب الآخرين وأولهم لبنان!!! وكأنهم يتجاهلون أن مصالحة الجبل قام بها أهم وأعلى المواقع المسيحية في لبنان ألا وهو غبطة الكاردينال مار نصر الله صفير وكان يوما تاريخيا هو يوم المصالحة في الجبل وطوي صفحة سوداء في تاريخ لبنان الحديث بهدف بناء لبنان الوطن والعيش المشترك، فالمعترض على اهتمام وليد جنبلاط بلبنان ومسيحيي لبنان ليسجلوا اعتراضهم عند البطريرك صفير قبل التفوه بأي من الترهات التي لا تفيد بل تزيد من الشقاق اللبناني ولا التوافق بينهم بل تخلق ثغرات تتسع شيئا فشيئا إن لم يستدرك الجميع الخطر المحدق في لبنان من المحيط المتأزم بسبب الانتهاكات الإسرائيلية ومغامراتها بآلياتها المتطورة المدمرة وما هناك من قضايا إقليمية غير مستقرة… أم أن المطلوب الوقوع بفخ فجوات الاختلاف وإفساح المجال للمغرضين لتعزيز الفتن من جديد بين اللبنانيين وإثارة الماضي وما كان من عداء بين الفئات اللبنانية والنفخ في جمر الحرب الأهلية لإشعالها من جديد بين الأشقاء، أم أن ما قيل عن الصلح والعيش المشترك كان مجرد شعارات في مرحلة ما لتمرير مخطط ما وما كان إلا مخدرا إلى أجل بات قريبا في مواجهة جديدة؟!.




المنتقدين لوليد جنبلاط على زيارته لسوريا وكيفية تصويرها والأسلوب الذي تمت به فليأخذوا بعين الإعتبار ما كان هناك من تاريخ مشترك بين لبنان وسوريا وكما يحق لكل مسيحي وقيادي منهم أن يتحدث عن المسيحية والحفاظ على الوجود المسيحي كهاجس وما لهم من حيثية وتثبيتهم في أرض الوطن كذلك يحق لسواهم من الطوائف الأخرى وبالأحرى الموحدين الدروز لهم الحق في الحفاظ على كيانهم والحفاظ على حيثيتهم في لبنان وما لها من امتداد عربي والحرص على التواصل مع موحدين سوريا وفلسطين وأنهم هم بما يشكلون من قوة في موقعهم والحزب التقدمي الاشتراكي كما قال حلفاء الأمس بأنهم صمام أمانهم في لبنان وهم المدافع الأول عنهم ضد أي اعتداء عليهم وهذا ما يثبته التاريخ والقريب منه في أحداث 11 أيار وليستذكروا ما كان دورهم كحلفاء ذاك الوقت وكيف اتسم بالسلبية والمواربة، وإن كان يقول اليوم وليد جنبلاط بأن المسيحيين حلفاء الأمس ليسوا بحلفاء اليوم بل هناك أصدقاء لم يكن افتراءا إنما عن وقائع ومسببات ومراجعة حسابات دفعت لمثل هذا التغير في علاقاته معهم وإعادة تموضعه في موقعه الطبيعي العربي والمقاوم، وإن كانت اللباقة التهذيب تظهر في حديثه بأن ما خسره جنبلاط في الانتخابات النيابية بسبب هذه التحالفات فيأتي من يقول بأن هذه التحالفات كانت مبنية على المصالح الشخصية والسياسية بالنسبة له وليس لهم بينما بالعودة لمراجعة نتائج تلك الانتخابات وما ثبت هو العكس تماما أنه لولا التحالف مع وليد جنبلاط في الانتخابات النيابية لما حاز المسيحيين في مناطق تحالفاتهم مع جنبلاط إلى عدد الكراسي أي تحالفهم هم مع جنبلاط كان لخدمة مصالحهم وهم الرابحون، فليعد كل من له اعتراض على مواقف جنبلاط إلى النظر والتفكر في المرحلة السابقة قبل إطلاق أي من التحليلات والتسارع لتسجيل المواقف عن عبث ودون قاعدة.

إن كان المنادي بالحرية والسيادة والإستقلال قد سجلهم شعارات حصرية دون مضامينها الحقيقية وبتحريف في معانيها فهنا تقع المشكلة، أم أن الشعارات ذاتها بما تحمل بعمق المعاني وغاياتها الوطنية التي نودي بها منذ 2005 حتى اليوم مستمرة وإنما باتفاق وتفاهم بلا خلل، هنا وجب التنويه بأن وليد جنبلاط هو من قاد التحرك المنادي بهذه الشعارات والتي التزم بها ولا زال، وهو من تحمل مسؤولية رفع السقف في مناداته لتثبيت الحرية والاستقلال والسيادة اللبنانية وهو من استُدعي للمثول للقضاء مع الشهيد الحي الوزير مروان حمادة والصحافي الحر فارس خشان وهو من يدفع ثمنها حتى اليوم وما يقدم من تنازلات لمصلحة لبنان والوفاق اللبناني وسد الطريق على من يسعى لإشعال حرب أهلية أخرى ولا يمكن ان ننسى المحطات السيئة التي مر بها لبنان، يجب أن نتذكر موقف وليد جنبلاط في الحفاظ على موقع رئاسة الجمهورية ومطالبته الالتزام بما نص عليه الدستور وكيفية التوافق على الرئيس وكان الاتفاق على الرئيس ميشال سليمان بالصيغة التي تحفظ لهذا الموقع الماروني حقوقه وسلطته.

أما الأفرقاء في ثورة الأرز لا زالوا هم نفس الأصدقاء بالأمس واليوم ولم يتغير شيء إلا أنه هناك تحامل على وليد جنبلاط حين اختار أن يفترق عن حلفاء 14 آذار وكان له رأيه الذي اثبت صحته في العودة إلى الخطابات والشعارات التي رفعت في ذكرى 14 آذار على مدى السنوات الخمس الماضية فكلها تحققت بتصميم اللبنانيين ولازال يطالب بما يزيد عن مطالب ثورة الاستقلال الثاني بعد خروج الجيش السوري من لبنان وقيام السفارات بين البلدين وتثبيت استقلالية لبنان وحريته وسيادته والتحقيق في الجرائم والإغتيالات والمحكمة الدولية التي قامت وتحقيقاتها جارية وكما صرح بعد لقائه الرئيس الأسد بأنه هناك ثوابت تم التأكيد عليها معا ومن أهمها ترسيم الحدود بين البلدين وبناء العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية المتينة وبناء الثقة بين الدولتين، ولا يوجد هنا ما يتعارض مع المبادئ التي يشدو بها حلفاء الأمس وحركة 14 آذار التي انفصل عنها جنبلاط بإعلانه قراره في 2 آب 2009 وهنا لابد من لفت الانتباه إلى ما صرح به النائب سامي الجميل بتاريخ 27 شباط 2010 بأنه يقترح حل حركة 14 آذار حيث أسباب وجودها قد انتهت ولا بد من إعادة النظر في تنظيمها حيث أصبحت جهة سياسية مستقلة بذاتها، فلم توجه له أي اتهامات تخوين أو استنكار بهذه الصورة التي توجه لوليد جنبلاط منذ إعلانه الانفصال عنها، وربما ما يثير هذه الضجة الثقل السياسي للأخير دون سواه على الساحة السياسية مما كان يسبب القلق للبعض في وجوده داخل الحلف كما بعد خروجه منه.

أما ما خص الانتماء العروبي للبنان يبقى هنا السؤال هل هناك قناعة تامة لدى جميع اللبنانيين بالعمق العربي له أم أيضا ما هي إلا شعارات وعناوين تسمع بين حين وآخر على المنابر في بعض المناسبات وإنما فعليا ما هي إلا لحظات "تخل" لهم وحسب ما تستدعي الحاجة للتماشي مع الأحداث؟. أليس الهدف هو حماية لبنان ولا يتوفر من تمويل كاف للجيش بل هناك إقرار بفقر المؤسسة العسكرية الشرعية الحامية للبنان ضد أي اعتداء خارجي وعدم توفر العتاد اللازم والعديد المدرب كما يجب للقيام بهذه المهمة، وكما معلوم للجميع ان الوضع الأمني في المنطقة ككل ليس مطمئنا وكأنه على قاب قوسين أو أدنى من اندلاع حرب جديدة تقوم بها اسرائيل بهدف التدمير والتهجير، أليس جنبلاط هو الذي طالب ويطالب بأن الحوار هو الطريقة المثلى لحل أي خلاف لبناني وخاصة ما يتعلق بالسلاح خارج الشرعية اللبنانية ولازال على نفس الموقف حتى اليوم رغم حملة التشويه والتحريف لمضمون ما يصرح ويقول رغم وضوحه وصراحته؟.

المستغرب أنه لعدم توفر أي سبب لمثل هذا التحامل يستكثر على طائفة بالذات أن تحاول الحفاظ على كيانها ووجودها حسب ما ترتئيه يتناسب مع تاريخها وامتدادها العربي بينما لابد ويجب القبول بكل ما يقوم به أطراف آخرون لما يصب بمصلحتهم وحفاظهم على وجودهم وتحديدا الحديث هنا عن الطائفة المسيحية الكريمة والتي يدافع عن وجودها جنبلاط لأنها عنصر أساسي في النسيج اللبناني، واليوم يطالب على أبواب انتخابات البلدية ان يكون رؤساء البلديات في بلدات الجبل المختلطة طائفيا بين الموحدين الدروز والمسيحيين!! فيأتي من يبحث في ارشيف الخطابات والكلمات التي قالها جنبلاط في مناسبات مختلفة ليتسلح بها ويستخدمها كعنصر اتهام ويتناسى أن لولا تلك الخطابات لما تغير الحال ما بعدها للأفضل وأحيانا يستند البعض إلى بعض الاساليب التي اتفق عليها جميع العقلاء بأنها ملتوية فتعاد للتداول والتذكير بها رغم تحريفها وصياغتها وتنسيقها في وقت ما لإحداث الفتن بين طائفتين هما على وفاق وحلف متين يشتركان في مصير واحد وهما الموحدين الدروز والمسيحيين.

أليس من الأجدى والمتوقع من كل لبناني مهما كان له من رمزية أو موقع على الساحة اللبنانية حين يطالب بالحق والحرية والحقيقة والسيادة والإستقلال ان يعي الوضع اللبناني الخاص ويتعلم من دروس التاريخ كي لا يقع اللبنانيين في الفخ مرة أخرى في إثارة النعرات الطائفية التي لا تجدي بل تدمر؟ أليس كل لبناني في لبنان دفع ثمن كل أخطاء الماضي التي شملت الجميع دون استثناء على اختلاف الطوائف والمذاهب والأحزاب أم أنه لم يتساوى اللبنانيين في المصائب أيضا؟ وهل المطلوب أيضا التمايز بمقدار التضحيات وعليه تحتسب نسبة وطنية كل لبناني على قدر الثمن المدفوع؟ أم أن التطرف والتعصب الطائفي والحزبي يغشي العقول ويعمي القلوب فتشت عن الحقائق؟…

العجب من الذين يدعون الفطنة والذكاء ويستخدمون مكاناتهم القيمة بين القواعد الشعبية على اختلافها في المزايدات الوطنية التي لا مكان لها هنا وليس الهدف التفرقة إنما تسليط الضوء على بعض الحقائق التي يغفل عنها اما عن عمد او لا ولفت الانتباه إلى التمعن في التاريخ ونقد الذات قبل انتقاد الآخرين… فيبقى وليد جنبلاط المعادلة الصعبة في لبنان لأجل لبنان.