استقلال إسرائيل… عمن؟ – كلوفيس مقصود – النهار

عندما كانت اسرائيل تحتفل بعيد استقلالها في الاسبوع الماضي سألت نفسي: استقلال عمن؟ واستغربت تأخري كل هذه المدة كي اطرح هذا السؤال وأدركت اننا جميعاً انغمسنا في "واقعية" طاغية اسقطت السؤال من مصطلحات تعاملنا مع قضية مركزية في حياتنا والتزاماتنا القومية والمبدئية اجمالاً.

ولعل اسباب التردد تعود الى ان قرار التقسيم في تشرين الثاني 1947 كان صدمة وضعت الحق الفلسطيني في خانة النسبية في مقابل ضرورة معالجة ازمة الضمير الغربي لاهماله الحيلولة دون استفحال تداعيات المحرقة التي قام بها الحكم النازي في ثلاثينات وأوائل اربعينات القرن الماضي، مما جعل الدول الغربية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية ترى في المشروع الصهيوني شريكاً في صيغة الغفران المتبادل بمعنى ان المشروع الصهيوني يغفر للغرب اهماله وتقاعسه عن اتخاذ الاجراءات اللازمة، كما ان الغرب بدوره يعتبر قيام اسرائيل صك الغفران له. الا ان الغفران انطوى على ان اسرائيل لا تعود تحاسب الغرب على اهماله في مقابل الا يمارس الغرب، بدوله الكبرى، اية مساءلة جادة لما تقوم به اسرائيل مستقبلا في فلسطين خصوصاً والعرب عموماً.




جاءت صيغة الغفران المتبادل بمثابة تحذير لأزمة الوجدان في الغرب، وكذلك بمثابة غفران متواصل لاي خروق أو تجاوزات واعتداءات تقوم بها اسرائيل في الاطار العربي.

لهذا السبب كان الانهماك السائد من تداعيات مفجعة لقرار التقسيم صرفنا عن السؤال المركزي والذي من خلال الاجابة عنه تتضح العراقيل الكثيرة والمشكلات والتعقيدات التي يواجهها المجتمع الدولي في المساعي الآيلة الى ما يسمى "حل الدولتين" اسرائيل وفلسطين. وهذا بدوره يفسر فرادة العراقيل التي تجعل الحل المقترح أو بالأحرى الحلول المقترحة عصية على الصيرورة!

من هذا المنظور يتبين ان السؤال استقلال عمن؟ قد تجيب اسرائيل ان الاستقلال عن الانتداب البريطاني، وقد تنطلي هذه الاجابة على بعضهم.

 لكن وعد بلفور عام 1917 وفر للانتداب البريطاني في فلسطين التسهيلات لتهجير اليهود اليها حتى عندما جاء قرار التقسيم اعطى اسرائيل نحو 56 في المئة من فلسطين التاريخية وبالتالي 44 في المئة للدولة الفلسطينية، اذا اعتبرت المنظمة الصهيونية ان قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة نافذ وقانوني. هذا كان في تشرين الثاني 1947.

ولكن عندما اعلن بن غوريون استقلال اسرائيل في 15 ايار 1948 تجاوزت "الدولة" اليهودية الى ان اصبحت اسرائيل حاصلة على 78 في المئة من فلسطين التاريخية فيما الـ44 في المئة من فلسطين التاريخية تقلصت الى 22 بالمئة في 5 حزيران 1967. ان التدرج في قضم حصة الفلسطينيين بدأ فور سريان مفعول قرار التقسيم مما دفع الدول العربية الى الحرب لاسترجاع ما اخذته دولة اسرائيل وضمته من حصة الارض التي حددها قرار التقسيم. وبعد الهدنات الموقعة بقي 22 في المئة من اراضي فلسطين وهي الضفة وقطاع غزة والقدس الشرقية التي احتلتها اسرائيل في اعقاب حرب 1967 اضافة الى هضبة الجولان.

صحيح ان هذه المعلومات معروفة ومثبتة لكن السؤال يظل منطقياً "استقلال اسرائيل عمن؟" ويصبح اكثر الحاحاً لأن ما تبقى من فلسطين التاريخية، اي 22 في المئة منها اعتبرته القرارت الصادرة عن الامم المتحدة "اراضي محتلة".

هنا يبرز سؤال فرعي يتعلق بعدم اكتراث اسرائيل لتنفيذ أي قرار صادر عن الجمعية واعتبارها انه غير ملزم وغير نافذ وهي غير معنية به مطلقاً.

 وفي هذه الحال لماذا كان قرار تقسيم فلسطين يمثل المرتكز الذي قونن قيام دولة اسرائيل ومن ثم تمددها المتواصل. حتى انها لا تزال تعمل على استكمال مشروعها الصهيوني، والذي يمكن تلخيصه برفضها المستمر اسوة بكل الدول اعلان حدود دولتها. في هذا الصدد يتبين لنا بوضوح كامل ان عدم اقرار اسرائيل بأنها محتلة في ما تبقى من فلسطين – اي 22 في المئة منها – ينطوي على ان المشروع الصهيوني لم يستكمل بعد، وهذا يفسر انه منذ حزيران 1967 لم تعترف كل حكومات اسرائيل بكونها سلطة محتلة، ويظهر ذلك من خلال ما اقامته من مستوطنات وسيطرتها على المياه الجوفية وتحويل اكثر من 75 في المئة من هذه المياه لحاجات العشرة في المئة تقريبا من المستوطنين. اجل هذه الاستباحة المتواصلة لحقوق الفلسطينيين والممارسات القمعية والعنصرية تجعل رفضها التزام القرارات الدولية سياسة قائمة كان علينا استيعابها من بدء خرقها قرار التقسيم الذي استولد "دولتها"، وإن ما تقوم به باستمرار الى يومنا هذا هو في الواقع تعطيل لقرار التقسيم بنفي اي حق فلسطيني في اي دولة.

ان الغبن التاريخي الذي رسخه قرار التقسيم شكل جرحاً عميقاً في الجسم القومي العام، مما دفع قسطنطين زريق الى محاولة استيعاب معنى للنكبة. ومن هذا المنطلق يصبح السؤال اليوم واردا: "احتفال اسرائيل بالاستقلال… عمن؟ واذا حاولنا الاجابة فسوف يتضح الكثير مما نحن عليه من نواقص في استراتيجيات مواجهتنا المشروع الصهيوني المستمر في التحايل والتصدي لكل محاولة ايجاد مخارج من اي التزام حيال أي قرار دولي، حتى لو كان مجتزأً أو يتسم بنقص.

صحيح ان ثمة مؤشرات آخذة في البروز على الحقائق التي صممت اسرائيل على التستر عليها بهدف ترك الساحة مفتوحة أمامها كي تمارس الابتزاز لمن يرغب في سبر غور دوافع سياستها العدوانية والتوسعية، وبالتالي كي تمارس الارهاب الفكري على من يشكك في مراميها. أو لاضطهاد اليهود الذين يعتبرون ممارسات اسرائيل مناقضة لقيم الدين اليهودي ومناقبيته، وبالتالي يشكلون دائرة الضمير، امثال ريشارد فولك والقاضي غولدستون والناشطين اليهود في القدس الذين يتظاهرون يومياً ضد تدمير بيوت السكان العرب، ومنظمات أمثال يتسلم التي تواجه الاستيطان. وكل هذه البوادر صحية وان كانت لا تزال ضعيفة بالنسبة الى الاعمال التي يمارسها الحكم الصهيوني، فهذا التململ الباهت حالياً ينطوي على احتمالات تصحيحية جديرة بالاهتمام والتعرف اليها والتجاوب الاخلاقي معها.

واليوم فيما المندوب الرئاسي جورج ميتشل في الاراضي الفلسطينية، عليه ادراك ان ترجيح الحق الفلسطيني على الباطل الصهيوني هو المدخل الى الحل عبر ما يسمى بحل الدولتين، وذلك على رغم ان هذه الصيغة في المفهوم الاسرائيلي من شأنها إلغاء مفعول الحل كما يتصوره الرئيس باراك أوباما.

الأهم في هذا المضمار ان الكونغرس الاميركي لا يزال يحاول تكبيل الرئيس أوباما لئلا يترجم اقتناعه في الموضوع الفلسطيني كما في أزمات الشرق الأوسط، وهذه المحاولات لا تزال قائمة وفاعلة.

أكثر من ذلك، عندما نشاهد تهنئة من دولة عربية لاسرائيل باستقلالها، يطرح السؤال تلقائياً: "ألا يجدر أن نستنكف عن هذه "التهنئة"، وان هذا التصرف يشكل دافعاً لاسرائيل كي لا تأخذ مواقفنا على محمل الجد. وألم يكن جديراً بالدول المطبّعة ان تسأل اسرائيل عمن استقلت؟ قد يندرج مثل هذا السؤال في خانة "اللاواقعية"، لكن كان عليهم أن يسألوا عن حدود الدولة التي هنأوها باستقلالها.

هذا قليل من كثير. وهكذا نجد ان صفاقة اسرائيل التي تطالب بأن يعترف العرب بتلمودية اسرائيل وان يسلموا بأن حق العودة للاجئين هو الغاء قانون العودة لليهود، وبالتالي الغاء العودة لمن لهم حق العودة، واسرائيل وحدها تقرر من لهم هذا الحق.

وهذا قليل من كثير، لكن صار لزاماً علينا اعادة فتح القضية الفلسطينية من جذورها لأن من يفاوض أو يطبع مع اسرائيل عليه ادراك ان اسرائيل التي تجاوزت قرار التقسيم لا تعلن حدوداً لدولتها وترفض الاقرار بأنها محتلة. وهذا يعني اننا أمام كيان يتصرف كفاتح يعتبر ان انتزاع الارض من شعب فلسطين هو حق غير قابل للمساومة، ناهيك بكونه غير قابل للتفاوض.

ينتج من هذا التصميم الاسرائيلي على ترسيخ حق التملك منذ قرار التقسيم حتى يومنا هذا، ان اي مظهر من مظاهر المقاومة، كانت سلمية أو معترضة أو معارضة أو مكافحة هو بمثابة عملية تمرد ا نفصالي حاصل أو محتمل، وبالتالي يستوجب قمعه واجهاضه بكل الوسائل. فمن المنظور الصهيوني ليس هناك احتلال، بل حرمان حق صيرورة ملكية الارض. وأي مقاومة تعتبرها تمرداً وتسوّقه على انه ارهاب.

والاهم ان المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة اذا أرادها أوباما يجب أن تنطلق من انتزاعه اقراراً من اسرائيل بأنها سلطة محتلة، وعندئذ تستقيم نجاعة مطالبه. أما ما سوى ذلك فاجترار لعبثية المفاوضات وامعان من الكونغرس في تكبيل حرية التحرك. واذا بقيت اسرائيل في منأى عن المساءلة والمعاقبة فيصبح السؤال: استقلال عمن؟ ويتبعه سؤال منطقي آخر، لماذا اقرار الجمعية العامة بتقسيم فلسطين مستند قانوني ملزم ونافذ وباقي القرارات الصادرة عن الجمعية العامة المتعلقة بحقوق الشعب الفلسطيني غير واردة وبالتالي باقية حبراً على ورق؟

فقبل أن ينفجر الكبت، قد يندرج الرد في خانة واقعية مرشحة لأن تصبح لاغية لوقيعة الواقعية الراهنة.