عن العلاقات اللبنانية ـ السورية: لا تتركوها للمنتفعين بها تكاملاً أو قطيعة! – طلال سلمان – السفير

أما وان تصرفات «الطبقة السياسية»، حاكمة ومعارضة، تشابه حفلات الزجل، حيث الارتجال هو السيد، أو مباريات اللعب بالجمهورية في المدينة الرياضية، كالتي أقامها أركان هذه الطبقة «على شرف الوحدة الوطنية»، فإننا نخشى أن يتم التعامل مع شأن خطير كتجديد العلاقات اللبنانية ـ السورية بواحد من هذين الأسلوبين العبثيين

… في حين أن أمر هذه العلاقات الحيوية بين البلدين الشقيقين إلى حد يقارب التكامل، أعظم خطورة من أن يترك للارتجال أو للمزاج الشخصي لهذا أو ذاك من أركان «الطبقة السياسية»… خصوصاً أن هؤلاء الأركان أشبه بدواليب الهواء، ينقلبون ما بين طرفة عين وانتباهتها من أصدقاء إلى أعداء وبالعكس، من دون أن يتوقفوا لحظة واحدة أمام النتائج الخطيرة التي قد تترتب على انقلاباتهم الشخصية المغلفة بارتباطاتهم الخارجية في هذا البلد البلا داخل..

يكفي أن نتخذ من الزيارة العتيدة لرئيس الحكومة في لبنان إلى سوريا مثالاً على الخفة أو الارتباك أو كليهما، وعلى التعجّل أو سوء النية أو كليهما.
لنستعرض، على سبيل المثال، «التوقعات» و«التقديرات» و«التسريبات» حول مواعيد لقاءات اللجان المشتركة اللبنانية ـ السورية، وجداول أعمالها المفترضة، وعلى أي مستوى ستكون ومن سوف يرأسها، تمهيداً لزيارة العمل التي سيقوم بها رئيس الحكومة، إيذاناً بعودة الروح إلى العلاقات بين البلدين الشقيقين إلى طبيعتها، بعد خمسة أعوام من «القطيعة بالأمر»، التي أوقفتهما في حالات كثيرة على حافة الحرب… بغير أن ننسى أن عدداً من شهداء الغلط قد سقطوا، بل اغتيلوا في بعض الداخل اللبناني، أو على الطرقات الرابطة بين البلدين المتكاملين، بالتاريخ والجغرافيا والمصالح، وبمعزل عن أمزجة الحكام وارتباطاتهم.

يكفي أن نستعيد ذلك المسلسل البوليسي الركيك الذي فرض علينا أن نعيشه على امتداد خمس سنوات عجاف، لنكتشف بأي قدر من الخفة والارتجال والاستهانة بعقول الناس، تمّ التعامل مع تلك العلاقات الأخوية التي ألقوا عليها الحرم، وكادوا يتهمون بالخيانة كل من ينبّه إلى ضرورة إبعادها عن حومة الخلاف السياسي وعن دوامة الغضب الذي تفجّر بعد جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وكان له مستثمروه والمنتفعون به في الداخل وفي الخارج، سعياً إلى ما يتجاوز الدم المهدور ظلماً وعدواناً بالتوظيف السياسي للجريمة على حساب مصالح لبنان وسوريا وشعبيهما معاً.

لذلك كله نرى أن من حق «الرعايا اللبنانيين» أن يكونوا طرفاً في عملية تجديد أو إعادة بناء العلاقات اللبنانية ـ السورية، لا مجرد شهود زور، يبلغون بالتطورات والتحوّلات اندفاعاً يقارب الوحدة، أو عداء يقارب الحرب، عبر حملات الهجوم التي تسقط المحرّمات.

لقد تحمّل المواطنون في لبنان (فضلاً عن الإخوة السوريين وذلك حديث آخر) أصنافاً من الدجل الظلم والقهر والإذلال على أيدي المستفيدين من نِعَم العلاقات وامتيازاتها بأشخاصهم وعائلاتهم ومحاسيبهم، والمانعين تحوّلها إلى روابط متينة بين أشقاء وزعتهم مقاديرهم على طرفي الحدود لدولتين، لكنهم لم يستطيعوا أن يلغوا وشائج القربى وخيرات المصالح المشتركة.

ثم إن هؤلاء المواطنين في لبنان (ومثلهم الإخوة السوريون) ظلوا خارج دائرة المنتفعين بالعلاقات المميزة، ولم يصلهم إلا النزر اليسير من خيرات التعاون والتنسيق، التي أعطت كثيراً من غير المستحقين فوق ما كانوا يقدرون، فنصبتهم رؤساء ووزراء ونواباً وزعماء طوائف ومذاهب… لكنهم حين جدّ الجدّ، انقلبوا إلى أعداء لسوريا، وبالتالي للبنان، تحت غابة الشعارات المزورة والمضلّلة.

وخلال دهر القطيعة التي كادت تصير حرباً، دفع المواطنون الضريبة ثقيلة، على جانبي الحدود… فشقيق الأمس عومل كأنه عدو الغد، وتعرّض للضرب والإهانات والضرر وتشويه اليقين وتحطيم الثوابت التي كان يعتبرها من عطايا الطبيعة ومن ضمانات الحياة.

كذلك، فإن حملات الكراهية وتشويه الوجدان طاولت المقاومة المجاهدة التي حمت شرف لبنان والأمة العربية (والمسلمين) جميعاً، وقدمت نموذجاً فذاً لقدرة الإرادة على الفعل وتحصين الوطن واستنقاذ كرامة الأرض وأهلها وفضح أسطورة القوة التي لا تقهر، فإذا بالعدو الإسرائيلي يجرجر أذيال الهزيمة في حرب تموز، وإذا الأمة العربية تتخذ من لبنان قصيدة فخرها وإيمانها بذاتها وبقدراتها.

على هذا، فلا يعقل أن تعود الأمور بيننا وبين سوريا إلى سيرتها الأولى: لقاءات حارة ومعانقات أمام الكاميرا وموائد تكريم وإشادات إنشائية بالأخوة والمصير المشترك «فوق»، في غيبة منم الناس (تحت) الذين لم ينتفعوا من خيرات السنوات السمان، ثم أجبروا على دفع ثمن القطيعة في السنوات العجاف.
وإذا كان الأمر في سوريا لصاحب الأمر ووفق منطق النظام الحاكم، فإننا في لبنان نحتاج إلى ضمانات جدية حتى لا تتكرّر المأساة مـــع أول خــلاف يقع أو مع أول جريمة منظمة تُرتكب في لبنان أو في سـوريا.

لقد دفع المواطن العادي في لبنان ضريبة ثقيلة في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وضريبة أثقل عبر استغلال تلــك الجريمة وسـيل الاتهامات المسيّسة والمغرضة التي استهدفت أسباب استقراره، والأخطر: اعتزازه بهويته، أي بعروبته، وقطعت بل كادت تدمّر العلاقات الأخوية مع سوريا.
لقد حاول المستفيدون من الجريمة للانفراد بالسلطة، بدعم الخارج، كل الخارج أميركياً وأوروبياً وإسرائيلياً، وإن ظل يتلطى خلف واجهات عربية، استثمار القطيعة مع سوريا بقدر ما أفادوا من استثمار العلاقات معها في ظل «معاهدة الأخوة التعاون والتنسيق»، وها هم يحاولون الإفادة من المصالحة الجديدة لاستعادة مواقع نفوذهم ومكاسبهم غير المحدودة..
… وليس ثمة مَن يحاسب، ولا مراجعة أو مَن يناقشون!

خلاصة القول: لا ضمان لعودة الروح إلى العلاقات بين لبنان وسوريا في غياب الشعبين، ولا ضمان لاستمرارها كعامل تقدم وتوطيد للأخوة بالمصالح إلا بمؤسسات جدية مؤهلة وقادرة على اتخاذ القرار، حتى لا تظل عرضة لتقلبات المزاج، أو لسموم رياح الضغط الخارجي.


ولا يجوز، بأي حال، أن تُسترهن هذه العلاقات التي تشكّل ضمانات حياة أفضل للشعبين الشقيقين، لمجموعة من نهّاز الفرص ومبدّلي جلودهم وألسنتهم بحسب تبدّل المواسم ورياحها، أو لأعداد من الموظفين البيروقراطيين الذين لا يملكون قرار الاجتماع فإذا ما اجتمعوا انتظروا مَن يشير عليهم، فإن أشار سلــباً امتنعوا عن التوقيع، وإن هز رأسه بنعم وقّعوا، تاركين التنفيذ لصاحب الحق بالقرار… وعلى الله فليتوكل المتوكلون!

العلاقات اللبنانية ـ السورية أخطر من أن تُترك للمصادفات، أو لنوبات المزاج، أو للضوابط الإدارية التي تحكم الموظفين في أمور تكاد تعادل أسباب الحياة والموت بين الشعبين الشقيقين.
باختصار: لقد آن أن نبني هذه العلاقات على قواعد من المصالح الحيوية الثابتة، وأن نحصّنها ضد «الأخطاء» كما ضد تقلبات المزاج عند بعض أصحاب السلطان.
ولتكن الخطوة الأولى مؤشراً إلى اهتدائنا إلى الطريق القويم.