··· أحداث غابت عنها الحقيقة! – صلاح سلام – اللواء

من مباراة كرة القدم السياسية، إلى طاولة هيئة الحوار الوطنية، إلى استمرار تعثر القرارات الحكومية··· يحار المواطن العادي من أين يُمسك طرف خيط المرحلة الراهنة، حتى يتبين له الخيط الأبيض من الزيح الأسود، محاولاً استكشاف طبيعة الأيام والأشهر المقبلة: هدوء وأمن واستقرار، كما يردد كبار المسؤولين، أم أن ثمة وراء الأكمة ما وراءها على إيقاع التصعيد الداخلي من جهة، والتوتير الإسرائيلي من جهة ثانية!·

كان من الممكن لمباراة الفوتبول التي جمعت الأضداد السياسية تحت شعار <كلنا فريق واحد> أن تخرج عن الطابع الفولكلوري الذي غلب على مشاهدها، لتحمل مضمون رسالة وطنية حقيقية عن طي صفحة الخلافات والانقسامات السابقة، لو تمت ترجمة شعار <الفريق الواحد>، في جلسات مجلس الوزراء مثلاً، وإطلاق ورشة إعادة بناء مؤسسات الدولة وإداراتها باعتماد الكفاءة، لا المحاصصة ولا المحسوبية، في التعيينات الإدارية، وإقرار الموازنة القادرة على تحقيق التوازن المالي المفقود في خزينة الدولة، والإسراع في بت مشاريع إنمائية أساسية في تلبية حاجات الناس الضرورية، وفي مقدمتها الكهرباء والمياه، وتحسين خدمات الهاتف والانترنت، والتوجه الى المناطق المحرومة في عكار والهرمل بمشاريع وخطط مناسبة لإخراج أهلها من حالة الفقر المدقع والضياع بسبب غياب الدولة المزمن عن مناطقهم·




ولأن هذه الرسالة الوطنية الكبيرة ما زالت غائبة في أعمال الحكومة ومجلس النواب، فقد بقي تأثير مباراة <الفوتبول> التي جمعت وزراءً ونواباً من كل الأطياف السياسية في ذكرى 13 نيسان الأسود، بقي تأثير تلك المباراة محدوداً، بل تحوّلت إيحاءاتها إلى مفاعيل سلبية في أوساط شريحة واسعة من اللبنانيين التي اعتبرت <الميني – ماتش> مجرّد مشهد فولكلوري لا يمت إلى الواقع السياسي وتعقيداته بصلة!·

* * *

وليس بعيداً بالزمان والمكان عن الماتش الكروي، انعقدت جولة جديدة لهيئة الحوار الوطني، كشفت وقائعها حقيقة الأوضاع المتعثرة، وخلفيات الأحوال المعقدة، التي ما زالت تعطل مسيرة الدولة، وتصيب إداراتها ومرافقها بالشلل والعجز التام·

ورغم أن العنوان الرئيسي، ويكاد يكون الوحيد للحوار، هو الاستراتيجية الدفاعية، فقد فاجأ ممثّل <حزب الله> النائب محمّد رعد بعض الجالسين على طاولة الحوار بتهديده بالانسحاب من الحوار، في حال استمر الكلام عن سلاح الحزب في الإعلام·

طبعاً، من حق الحاج محمّد رعد أن يحمي سلاح الحزب ويُدافع عن المقاومة، ولكن على هدي الآية <وجادلهم بالتي هي أحسن>، وليس عبر التلويح بالانسحاب، وكأنه يُهدد باستخدام <الفيتو> لتعطيل طاولة الحوار، وصرف النظر عن كل حوار!!·

لقد علمتنا التجارب المريرة، القريبة منها والبعيدة، أن الملفات الخلافية في لبنان لا تُعالج إلا بالحوار القائم على المنطق وحجة الإقناع، مع التسليم دائماً، بحق الآخر بالاختلاف بالرأي والموقف، شرط أن يبقى هذا الاختلاف تحت سقف المصلحة الوطنية اللبنانية أولاً وأخيراً·

والحاج محمّد رعد وإخوانه، يدركون جيداً، أن لا الانسحاب من طاولة الحوار، ولا التفرّد بالقرارات الكبيرة، يخدم سلامة المقاومة، ويُعزز الالتفاف الوطني حولها، على نحو ما كان الوضع عليه إبان الاحتلال الإسرائيلي للجنوب والبقاع الغربي، لأن الوحدة الوطنية يجب أن تبقى هي السلاح الأوّل للمقاومة·

أما النقاش الدائر حالياً حول الاستراتيجية الدفاعية، وما تعنيه في تحديد مرجعية قرار الحرب أو السلم في البلد، فمن الأفضل، ألف مرّة، أن يبقى مطروحاً على طاولة الحوار، من أن يعود إلى الشارع من جديد، وما أدراك ما الشارع، في ظل أجواء التعبئة والاحتقان، وإزاء غياب أي مجهود جدي بين القيادات السياسية والحزبية لتحقيق المصالحة المنشودة في الشارع، وإزالة المتاريس التي زرعتها هذه القيادات بين الناس الذين اعتادوا العيش معاً في السراء والضراء، ووجدوا انفسهم فجأة بمواجهة دموية··· انتحارية من العيار الثقيل!·

* * *

أمّا تعثّر المسيرة الحكومية فيشكل القلق الأكبر للأكثرية الساحقة من اللبنانيين الذين انتظروا طويلاً ولادة هذه الحكومة الائتلافية، وصبروا على مناورات الكر والفر التي قادتها بعض أطراف المعارضة السابقة، وتحملوا الشروط التي فرضتها <الأقلية> على <الأكثرية> على أمل أن يؤدي كل ذلك إلى تشكيل حكومة <شراكة وطنية> تطوي صفحة الانقسامات، وتفتح أبواب التعاون الحقيقي والمسؤول بين الأطراف السياسية الرئيسية للبلد للعمل معاً على تعويض ضياع السنوات العجاف، وإطلاق ورشة عمل وإنجاز وإنماء، بما يُعيد للبنانيين، قبل غيرهم، ثقتهم بالدولة وبقدرة الطبقة السياسية على الخروج من دوامات الصراعات والحرتقات، إلى آفاق الإنتاج والبناء، وتحقيق آمال وطموحات النّاس·

ليس مقبولاً أن يعتبر أحدهم انه <سوبر وزير>، يستطيع أن يُزايد على بقية الوزراء، ويسمح لنفسه بأن يعارض توجهات حكومة هو عضو فيها، ويمضي معظم وقته إما بالدعوة لمؤتمرات صحفية، أو في القيام بجولات ترويجية في منطقته الانتخابية سعياً وراء مقعد لم يفز به في الانتخابات الأخيرة··· وبعد كل ذلك يرفع شعار <كلنا فريق واحد>··· ويُبشّر النّاس بانقطاع الكهرباء وشح المياه!·

أما الموازنة فلا تُعتبر إنجازاً إذا كان النّاس الغلابى من ذوي الدخل المحدود وأبناء الطبقة الوسطى هم من يتحمّل أعباء تمويل الفساد المستشري في الإدارات الرسمية، على حساب لقمة عيشهم ومستقبل أجيالهم·

* * *

··· إنها أحداث غابت عنها الحقيقة، وما حضر فيها لا يمت للواقع المرير بصلة!·