ما سرّ الغموض في ما يُثار حول المحكمة الدولية ؟ – سمير منصور – النهار

كان من الطبيعي استطلاع "الرأي الآخر" في كل ما قيل ويقال عن عمل المحكمة الدولية. وقد حاول كثيرون تقصي موقف الرئيس سعد الحريري من الضجة التي اثيرت في الفترة الاخيرة في هذا المجال ومعرفة معلوماته عما يقال حول تحقيقات تجرى ومواعيد محددة لصدور القرار الظني للمحكمة، ولكنهم لم يوفقوا سواء مع الحريري او مع اي من معاونيه الاقربين الذين يمتنعون كليا عن التعليق او الدخول في سجال، لانهم، من جهة لا يعرفون، ويقولونها صراحة، ومن جهة اخرى يلتزمون تعليمات صارمة من "دولة الرئيس" بعدم التطرق الى كل ما يمت الى المحكمة بصلة، لا من قريب ولا من بعيد، تلميحاً او تصريحاً، وهذه التعليمات كانت بمثابة تعميم على الجميع بمن فيهم بالطبع نواب "كتلة المستقبل".

ويبدو من خلال حديث بعض هؤلاء ان الحريري نفسه لا يعرف ولا يدخل في التفاصيل، ويقولون ان المحكمة في عهدة الامم المتحدة ولا احد يعرف اكثر مما تعلنه في بياناتها الرسمية حول ما تقوم به في اطار التحقيقات. ويستغربون ما يحكى عن مواعيد وتواريخ لصدور القرار الظني لافتين الى ان التسريبات غالبا ما تواجه بنفي من المحكمة، وهي ليست جديدة، بل منذ ما قبل الانتخابات النيابية قبل سنتين، اذ كنا نسمع كل يوم عن موعد صدور القرار الظني للمحكمة، قبل الانتخابات ثم بعدها، ثم عن مواعيد اخرى في ايلول الماضي، وكلها سقطت، ومرت اشهر ليعود الحديث عن مواعيد جديدة.




وبدا واضحا أن الحريري اكتفى بما قاله في المؤتمر الصحافي المشترك مع نظيره البلغاري بويكو بوريسوف في صوفيا قبل يومين، والارجح انه ما كان ليتطرق الى الموضوع لولا طرح سؤال عليه حول حقيقة ما تردد عن "احتمال وقوع حوادث امنية ردا على قرارات محتملة للمحكمة الدولية"، وقد اجاب باختصار معبّر: "لا مجال للعب بالموضوع الامني. والقوى العسكرية ستتصدى بشكل صارم لأية محاولات في هذا الصدد"، مجدّداً الثقة بالمحكمة الدولية التي "تعمل بجدية وثبات توصلا الى معرفة الجهات التي تقف وراء اغتيال الرئيس رفيق الحريري وسائر شهداء الاغتيال السياسي"، ومكررا: "نحن سنقبل بأي قرار يصدر عن المحكمة" واكتفى بهذا القدر متجنباً الدخول في سجالات "لا طائل منها ولا تؤدي الى اية نتيجة".

ولا يعني ذلك ان الحريري لا يتتبع كل ما يثار حول المحكمة الدولية وبأدق التفاصيل، وإن يكن ما يقال "مستغرباً وغير مفهوم في معظم الحالات" وفق مصادر متابعة. وهكذا يبدو واضحاً ان ثمة حلقة مفقودة قد يكون ممكنا من خلال معرفتها، تفسير الضجة المثارة والهواجس التي عبرت عنها تصريحات ومواقف كثيرة في الفترة الاخيرة. ولعل الكلام الاكثر وضوحاً في هذا المجال، يمكن ان يكون اليوم من خلال الحديث الذي سيدلي به الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله مساء اليوم، وقد مهد له نائبه الشيخ نعيم قاسم اذ اكد ان "لا ناطق رسميا من الآخرين باسم حزب الله" و"نحن نمتلك الشجاعة الكافية لنعبرّ عن رأينا عندما تدعو الحاجة ونسمع تصريحات ومواقف يجعلون منها مسائل كبرى ونصل في نهاية الامر الى قنابل صوتية اعلامية" وان "احدهم تحدث عن موقف رئيس الجمهورية وآخرين عن معطيات قالوا انها صحيحة عن المحكمة الدولية ونحن كحزب لسنا عاجزين عن التحدث عن موقفنا ولكن هناك بعض القضايا التي لا فائدة منها والتي نربأ بأنفسنا التحدث عنها".

هل يفهم من هذا الكلام ان كل ما قيل وتضمن ايحاءات حول مواقف معينة لـ"حزب الله" من المحكمة الدولية لم يكن اكثر من "قنابل صوتية"؟
والملاحظ ان نواب "حزب الله" امتنعوا عن الخوض في كل ما قيل بناء على قرار حزبي تقاطع في مكان ما مع قرار الرئيس سعد الحريري بعدم التعليق او الدخول في سجالات سياسية واعلامية بعضها ذهب بعيدا في الفترة الاخيرة الى حد وضع "خريطة طريق" للآتي و"الأعظم" واحيانا مع تحديد الأزمنة والأمكنة!

وبعيداً من اي تقويم لما قيل في هذا الصدد، فقد بات في كل الحالات يستوجب توضيحاً لطمأنة الناس ولوضع الامور في نصابها الطبيعي، لكون التسريبات و"السيناريوات" التي حكي عنها وضعت البلاد في جو من التوتر "غير المبرر او اقله غير الواضح" على حد تعبير مصادر معنية.

ومن غير الجائز، بل "حرام" توزيع الاتهامات يمنة ويسرة رحمة بالناس واحتراما لعقولهم، كما انه من غير الجائز وضع الضحية امام خيارين احلاهما مر… ويدرك اصحاب الشأن قبل غيرهم ان حسابات الدول تخضع للمصالح اولا واخيرا، ولا قيمة للحق امامها بل انها تجتاحه اذا اعترضها

وثمة امثلة كثيرة في التاريخ الحديث حول عمليات مقايضة وصفقات يسهل عقدها على حساب الحلقات الاضعف ولبنان واحد منها.
ومن المفترض ان اصحاب الشأن جميعا في لبنان يدركون ان الهيكل اذا انهار فسيسقط على رؤوس الجميع ولا احد "فوق رأسه خيمة" خلافا لما قد يعتقد كثيرون. وما اكثر السذّج!