الإعلام والانقسام السياسي في لبنان: فك الارتباط المطلوب – رامي الريس – النهار

على الرغم من أن للمثقفين رؤيتهم للعالم ونظرتهم الى السياسة التي قد لا تتلاءم مع المنحدرات التي إنزلقت اليها الأمور السياسية في بلدنا، وهم الذين يمتلكون رفاهية المقارنة بين النظريات وتحليلها وتنظيم مكوناتها، والربط بينها؛ في حين أننا نحن، أهل الاعلام، نبحث أكثر عن اليوميات والجزئيات ونسعى للربط بينها وتحليل مرتكزاتها ودوافعها ومسبباتها؛ إلا أن كل ذلك لا يدفع الى القول بأن هناك حالة من الطلاق التام بين الاعلام والثقافة، بل إنهما يتكاملان بشكل أو بآخر، وهذا التكامل ضروري لكل منهما، ومن ضمن إطار الوظيفة الخاصة بكل منهما.

أما بعد، وللابتعاد عن الشق النظري بعض الشيء وملامسة العنوان الاساسي الذي تسلط عليه الضوء هذه المقالة، فإن التجربة الاعلامية- السياسية التي تسنى لي خوضها في السنوات القليلة الماضية، على تواضهعا، لا تنبيء بأننا على مشارف إيجاد مخارج جدية لأزمة تحديات الانقسام السياسي في لبنان وإنعكاسه على القطاع الاعلامي، والسبب في هذه الرؤية مردّه الى قراءة مزدوجة لواقع الاعلام اللبناني، من جهة؛ وللواقع السياسي، من جهة ثانية.   




فعلى المستوى الاعلامي يتبين ما يلي: لقد قدّمت المرحلة السابقة، التي كان عنوانها الرئيسي الانقسام العمودي الحاد بين معسكري 8 و 14 آذار، نموذجاً عن الترابط العضوي بين الاعلام والسياسة. فإذا اختلفت القوى السياسية إنجّر الاعلام وراءها، فهذا يدافع عن سياسة ذاك، وذاك ينبري لاتهام خصمه وتبرئة ساحة آخر. ويتحول الاعلام بين ليلة وضحاها، من موقع وطني رسالته قول الحقيقة – مهما كانت نسبية – الى متراس تخاض من على شاشاته وأثيره وصفحاته، أقسى المعارك الكلامية، ويصبح الوقود الذي يستخدم لاشعال النار التي لا تحتاج أساساً الى الكثير لتحريكها من إستكانتها وإنتظارها.

طبعاً، ليس بوسعي، وأنا إعلامي أساساً، أنا أكيل الاتهامات لوسائل الاعلام، فهذا ليس القصد من سرد تلك الوقائع، لا سيما أن توجيه النقد الى وسائل الاعلام قد يفتح، في مكان ما، شهية البعض الذين لربما يحلمون بإسكات الاصوات الحرة التي قد لا تتلاقى مع مشاريعهم أو أفكارهم، أو يرونها مناسبة للانقضاض على كل فلسفة الحرية في لبنان، وهي حرية كثيرة ويجب أن تبقى كذلك.

إلا أن التمسك بالحرية الاعلامية يجب ألا يضعها على نقيض مع المسؤولية الاعلامية التي يفترض أن تبدأ بالصحافي الفرد وتنسحب على المؤسسات الاعلامية قاطبة. وهنا تقع الاشكالية الكبرى التي تتصل بكيفية التوفيق بين الحرية والمسؤولية وفقاً لمعايير إعلامية ومهنية دقيقة وصارمة تحترم تنوع الآراء وتعددها وتتيح للاعلام أن يؤدي وظيفته الوطنية حتى في حقبات الانقسام السياسي العنيف، وحتى في ظل إرتفاع المتاريس السياسية والنفسية وربما العسكرية.

إن الجرأة الادبية والاعلامية تحتّم علينا الاعتراف بأن وسائل الاعلام اللبنانية قد إنجّرت بأكملها الى ضفتي النزاع، فراحت كل واحدة منها، على طريقتها، تروّج لشعارات الفريق الذي تنتمي إليه وتسخر من شعارات الفريق الآخر. ولعل هذا الأداء يبقى مقبولاً الى حد ما في إطار الفهم بأن لكل وسيلة إعلامية سياستها وموقفها السياسي، وهذا مشروع.

إلا أن المشكلة تكمن أكثر في كون الوسائل الاعلامية قد إنغمست في لعبتي التخوين والقطيعة، فشاركت في حفلات التخوين الجماعي التي شهدتها البلاد وتحولت في تلك الحقبة جزءاً من ثقافة التخاطب السياسي، كما أنها لم توفر الخصم بشخصه وسلوكه وعقله ونفسيته وطريقة تفكيره، فخرجنا من النزاع السياسي الى الاستعداء الشخصي مع كل ما لذلك من مفاعيل سلبية على الجمهور المناصر لهذا الفريق أو ذاك.

أما مسألة القطيعة، أي عدم إستضافة الشخصيات التي تنتمي الى الفريق الآخر، فإنها أيضاً كرست أعراف الانقسام السياسي على المستوى الاعلامي والجماهيري بحيث لم يعد أي من جمهور الفريقين يستمع الى الآخر، لأنه بكل بساطة، لا يشاهد محطات التلفزة التابعة للفريق الآخر ولا يقرأ كذلك الصحف المحسوبة عليه.

وهذان العاملان، أي التخوين والقطيعة، ساهما في تعزيز حالات التباعد والجفاء وصولاً الى حد العداء بين الأطراف السياسية، مما أدى الى سقوط مفهوم الثقة المتبادلة في ما بينها، وجعل الصدقية بمثابة عملة نادرة في إطار الحياة السياسية والوطنية، وأساء الى كل التطورات التي تلاحقت على مستوى التعبئة الشعبية التي لم تخلُ في الكثير من الاحيان من الاعتبارات المذهبية والطائفية، وهنا إحتدم الصراع أكثر فأكثر، وأخذ منحى اكثر خطورةً وأنذر بمنزلقات خطيرة ليس أقلها إندلاع الحرب الاهلية مجدداً بكل بشاعتها وفصولها المدمرة على اللبنانيين جميعاً وعلى حد سواء.

أسارع مجدداً الى القول بأنني لا أحمّل الاعلام مسؤولية الواقع الانقسامي الخطير الذي مرّ به لبنان خلال السنوات القليلة الماضية. إلا أن جانباً آخر أدى الى إستحالة فك الارتباط بين الاعلام والسياسة من زاوية أن الاعلام ينقسم كلما إنقسمت القوى السياسية وأن يكون وقوداً للاشتباك السياسي، وهذا الجانب هو، بكل صراحة، توزّع ملكية الوسائل الاعلامية على القوى السياسية مما جعلها متاريس موازية للمتاريس السياسية.

فلو أتيح مثلاً أن تكون هناك وسائل إعلامية متحررة من الضغط السياسي لأنها مملوكة من جهات أو أطراف أو شخصيات أو حتى جماهير لا تشكل جزءاً من حالة الانقسام السياسي، لربما كنا وفرّنا على أنفسنا وعلى اللبنانيين وعلى وسائل الاعلام ذاتها بعض مقدمات نشرات الاخبار، التي هي بدعة لبنانية للمناسبة، وما تضمنته من إتهامات وتجريح ونقد وصل ربما في بعض الاحيان الى حد التحريض. وكلنا نعلم بإنعكاسات ذلك على المستوى الشعبي والجماهيري، مع الاحترام الكامل بالطبع، للناس أجمعين ووعيهم السياسي ومتابعتهم لدقائق الامور دون ملل.

إذا كانت هذه صورة المشهد الاعلامي اللبناني، لا سيما في مرحلة الانقسام الوطني العريض، فإنها حقاً لم تكن سوى صورة مصغّرة، إنما دقيقة، عن المشهد السياسي اللبناني في تلك الحقبة السوداء من تاريخ لبنان الحديث. وهنا الطامة الكبرى.

لقد إنجرّت كل القوى السياسية، ربما عن وعي أو عن غير وعي، الى حالة خطيرة من التمترس والانقسام والاختلاف. لم تترك كل الاطراف، وهذا من باب النقد الذاتي والجماعي في آن واحد، لم تترك كلاماً إلا وقالته، ولم تترك موقفاً إلا وإستنفدته، ولم تنسَ ملفاً قديماً الا ونفضت الغبار عنه، ولم تترك علاقات داخلية أو خارجية إلا ووسّعت قاعدة الاتصالات معها، ولم تترك مصطلحات إتهامية إلا وإستخدمتها؛ وكل ذلك في سبيل دعم موقفها السياسي.

لقد سقطت في تلك المرحلة كل المحظورات وأبيحت كل الممنوعات في الأدب السياسي، فتحول اللبنانيون نحو مشهد من الاقتتال الكلامي اليومي تُوّج، ويا للأسف، بمقدمات الاقتتال العسكري، الذي خرجنا منه بأعجوبة، وإلا لانحدرنا مجدداً نحو أتون الحرب الاهلية التي نعلم جميعاً كيف تبدأ ولا نعلم كيف وأين ومتى تنتهي.

إنما، هل تعلمنا الدرس؟ وهل نستطيع القول، اليوم، بأن حالات الانقسام السياسي التي مررنا بها لن تتكرر الى الحد الذي نلجأ فيه الى الاقتتال مجدداً؟ وهل يمكننا القول إن كل الدروس والعبر التاريخية أكدت إستحالة نجاح خيار الالغاء العسكري لأحد وأنه لا مناص من العودة الى لغة العقل والحوار كحل وحيد لمعالجة خلافاتنا السياسية؟ وهل وصلنا الى الاقتناع بأن نزاعاتنا السياسية ممكن ضبط إيقاعها في إطار المؤسسات الدستورية وليس في الشارع؟

في أي بلد آخر، هذه مجموعة بديهيات، ولكن في بلد لا يزال الصراع يدور حول هويته منذ خمسين عاماً، هي ليس كذلك. وفي بلد يمر منذ نشأته بظروف دقيقة وحساسة وإستثنائية، هي أيضاً ليست كذلك. وفي بلد إبتدع أخيراً نظرية الديموقراطية التوافقية التي قد يتطلب التوافق فيها على تعيين حاجب في الدولة أشهراً طويلة، هي ليست كذلك.

إن كل القوى السياسية اللبنانية هي أمام مسؤولية كبرى، فإما أن ننزلق مجدداً نحو القعر القاتم، وإما أن نفتح أبواب النور والسلام والاستقرار في الداخل، لعلنا بذلك نستطيع، مع المقاومة والجيش والدولة ومؤسساتها أن نواجه العدو الاسرائيلي الذي يقدم دليلاً يومياً على غطرسته وحقده وعدوانيته.

لقد سبق أن قال المعلم الشهيد كمال جنبلاط في كتابه "في مراقي الأمم"، ما يلي: "لبنان سيتغيّر، وبفضل هذا الجيل، وعلينا أن نضع السلالم أمام هذا الجيل لكي يعبر من المستنقع الحاد للفساد القائم في الادارة، وفي السياسة، وفي الاخلاق السياسية العامة، نضع له السلالم لكي يرتفع عليها الى تغيير جذري في المجتمع، في الدولة، في كلّ شيء".

أليست مفارقة أن يكون هذا الكلام لا يزال ينطبق على واقعنا المضمحل بعد أكثر من ثلاثين سنة؟