//Put this in the section

الفيَلَة والحشيش – راشد فايد – النهار

لا أعرف لماذا أدخلني لقاء دمشق في تمرين ذهني جعلني استحضر صوراً من الماضي غير البعيد، يوم كانت لقاءات مماثلة تتعاقب على عواصم عربية رئيسية، من طرابلس الغرب الى بغداد، مروراً بدمشق نفسها، تعد المواطن العربي (وحالياً أضيف عليه أخوه المسلم) بالنصر المبين


أغلب اللقاءات النائمة في الذاكرة كانت ثلاثية، كالأخيرة. يكفي استبدال محمود أحمدي نجاد الايراني بمعمّر القذافي الليبي (تكافؤٌ بين الاثنين بالقدرة المالية، وتوازٍ بالخطاب الشعبوي، وتماثل بهز اليد اليمنى عالياً ومن الإبط)، وإحلال الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله محل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، فيما يبقى الأسد، الرئيس بشار، محلّ أبيه الراحل.
قد يكون ممكناً، مثلاً، تخيّل نجاد محل صدام حسين، الرئيس العراقي، على ندرة ذلك في ماضي الأيام، أما ما لم يكن نادراً فهو أن يكون لبنان حلبة المواجهة، و"كيس " التدريب الاقليمي، مرات عبر "المقاومة الفلسطينية"، ومثلها عبر "المقاومة الاسلامية"، فيما للآخرين دور المشجّع والمحمّس والداعم المصفّق





الاشارات الى ذلك واضحة: اختار العرب، عند وقف حرب 1967، الاعتراف بحدود اسرائيل حين قبلوا بالقرار 242 الذي يدعوها للانسحاب الى ما يسمى حدود 4 حزيران، ولم يبقَ اليوم من "دول المواجهة" السابقة بلا اتفاق سلام معها سوى سوريا التي يشهد لها المجتمع الدولي بجدية التزامها كل قراراته (آخرها القرار 1559)، مما يبعد توقع قيامها بفتح حرب مفاجئة مع اسرائيل


الطرف الثاني في الصورة المنحولة من الذاكرة هو ايران، التي لم يتردّد قادتها، تحديداً مرشدها ، في إبلاغ إسرائيل، قبل أشهر، وعبر مسالك ديبلوماسية (كما نشر الاعلام الدولي)، ان طهران لا تريد تدمير تل أبيب، بل تسعى الى صداقة الشعب اليهودي. وفي وقائع أزمة الملف النووي الايراني ما يشير باستمرار، وتدعمه المواقف، الى أن اقصى ما تسعى إليه طهران هو اعتراف واشنطن بها قوة إقليمية وشريكاً في ادارة المنطقة من أفغانستان الى العراق وغزة ولبنان


سلّمت الأنظمة بعد حرب 1967، وبسببها، بوجود الدولة الصهيونية، واضطرت الى التسليم للفلسطينيين بحقهم في أن يقرّروا مصيرهم بأنفسهم، وأدى توسّع الاحتلال الاسرائيلي الى جعل المقاومة الشعبية الفلسطينية حبل خلاص الشعوب العربية من نكستها. وأمام مأزق الأنظمة الواقعة بين هزيمتها وصمود المقاومة الفلسطينية، كان المخرج توجيه السيل الى لبنان يتلاعب به وبمصيره في خدمة "معلنة" للقضية المركزية، و"مضمرة" للأنظمة العربية وسعي بعضها إلى استنقاذ نفسها من السقوط ثمنا لهزيمتها، ورغبة بعضها الآخر في تحسين موقعه الإقليمي وشروط تفاوضه المعلّق


بم تختلف صورة اليوم عن الأمس؟ بلا شيء. وتأكيداً للتشابه، وكما كان أبو عمار زعيماً بلا دولة أقوى ممّن يجتمع به، في مناسبات الاصطفاف السياسي، كان أبو هادي في لقاء دمشق.
في هذا التشابه ما يقلق، ويمنع الاطمئنان الى ان غداً لن يكون من نسق الأيام الماضية: حين تتقاتل الفيلة وحده الحشيش يدفع الثمن


المثل هندي، والتطبيق لبناني. والمأساة أنه قابل للتكرار، ولا نتعلم