١٤ شباط ٢٠١٠: دعوا الحريري وشأنه ! – سركيس نعوم – النهار

هي ذكرى استشهاد رفيق الحريري وليست مهرجانا سياسياً لـ"قوى 14 آذار"، ولا فرصة لـ"قوى 8 آذار" للتصدي لها. تلك هي الجملة المفيدة للدخول مباشرة في صلب الموضوع. وليس لقوى "14 آذار" ان تنتظر حلول هذه الذكرى لتقيم مهرجاناً سياسياً لاثبات الوجود. في استطاعتها ان تفعل في اي يوم آخر، فتكون الرسالة اكثر تعبيرا. والحشد الجماهيري إما ان يكون عفوياً او لا يكون. ليس في استطاعة إمام مسجد ان يدّعي "حشدا" في صلاة الجمعة

ولا يمكن كاهنا ان يفاخر بحشد "من اجله" في قداس الاحد. وليس لأي كان الادعاء بأنه استطاع ان يحشد في إحياء اية ذكرى دينية او غيرها او أن يتلطى وراءها لتسجيل هذا الحشد او ذاك وتجييره لحسابات شخصية او حزبية. ورفيق الحريري ليس في حاجة الى الحشود للتعبير عن حجم الزلزال الذي احدثته جريمة اغتياله ولما تنته ارتدادات الزلزال بعد. وتبقى الصورة اكثر تعبيرا عندما تكون عفوية بلا دعوة ولا اجتماعات تعقد خصيصاً لصوغها




ولا تزال ماثلة في الاذهان صورة المشايخ والسيدات والرهبان والراهبات خاشعين امام الضريح وكلٌ يصلي على طريقته، يتلو الفاتحة او يرفع دعاء راسماً شارة الصليب. رفيق الحريري شهيد لبنان والعرب وليس في حاجة الى مهرجانات وحشود لتأكيد حجم زعامته الوطنية التي تجاوزت باعتراف الجميع، حدود لبنان الى دنيا العرب والعالم. فإما ان يكون المهرجان وطنياً او لا يكون، رحمة بالرجل الكبير ووفاء لذكراه الطيبة. وغالبا ما يكون الصمت مدوّياً اكثر بكثير من هدير المنابر وقعقعة السلاح!


وردة "عفوية" على الضريح تساوي حجم ركاب عشرات الحافلات بناء على دعوة "رسمية" من اية امانة عامة، سواء كانت لـ"8 آذار" او لـ14 منه… دعوا رفيق الحريري وشأنه وارحموا ابن الشهيد وكل محبيه بلا غاية ولا حسابات ولا اصطفافات ولا لون… وتلك اصفى انواع المحبة!


واياً تكن التعهدات بلطف الكلام وعدم الخروج عن الموضوع، فإن سعد الحريري ليس مضطراً الى مراقبة الكلمات ومراعاة الخواطر. وقد تحمل الكثير في الماضي وتلقى الكثير من الصدمات. وها هو اليوم رئيس الحكومة اللبنانية، حكومة كل لبنان، لا لبنان "8" ولا لبنان "14". دعوه يحيي ذكرى استشهاد والده على طريقته. دعوه يخاطبه وحيداً ويضع وردة على ضريحه. واذا كان لا بد من خطيب فوحده هو فقط لا غير، بعد النشيد الوطني اللبناني. يكفي


ومخطىء من يعتقد ان عدم الحشد او عدم توجيه دعوات لاستقدام الجماهير يمكن ان يكونا دليل ضعف او انتقاصاً من حجم الذكرى. واما اذا كان القصد هو "تأكيد وحدة قوى 14 آذار واستمراريتها" فتلك الذكرى ليست المكان المناسب لتوجيه الرسائل، بل ان انتظارها والتلطي وراءها هو الضعف بعينه. مرة جديدة، هي ذكرى اغتيال رفيق الحريري وهي ليست ملكاً لـ"جماعة 14 آذار" او فرصة لها لعرض العضلات"، ولا لـ"جماعة 8 آذار" لتسجيل المواقف او تسديد الفواتير على اختلافها… لقد فعل الطرفان ما يكفي وانهكا جمهورهما وبات الجميع في حاجة الى بعض الهدوء لإزالة رواسب الماضي واحقاده و"ابداعاته" الأمنية والسياسية في اكثر من محطة "مشهودة"!


وبمهرجانات وبدونها، "عاد" رفيق الحريري وبُعث حياً منذ اسقاط كل الاهداف التي كانت وراء جريمة اغتياله. ولعل اكثر ايام سعده كان في آخر محطاتها عندما وطأت قدما سعد الحريري باب السرايا مكرساً تلك العودة، لا من خلال "كرسي" رئاسة الحكومة بل من خلال اسقاط آخر اهداف التفجير المدوي بعيْد ظهر ذلك اليوم المشؤوم 14 شباط 2005.


وفي الذكرى الخامسة للجريمة – الزلزال، يبدو التحدي الاكبر امام سعد الحريري، مواصلة الخطوات الجريئة التي بدأها في دمشق واستكمالها في بيروت لحماية الإرث السياسي الذي اؤتمن عليه من كل محاولات التشويه والاختراق والنيل منه بهدف تحجيمه من الاطار الوطني الى الاطار الفئوي، وقد سجل خطوات متقدمة في مجال التصدي لهذه المحاولات التي جاءته من كل حدب وصوب


بين 14 شباط 2005 و14 شباط 2010 شهدت البلاد أهوالاً وتبدلات وتغيّر الكثير. ومخطىء من لا يحسن التعامل مع المتغيرات والثبات على الوفاء للمبادىء والقيم


في 14 شباط 2010 دعوا رفيق الحريري وشأنه!