برج المراقبة – أحمد عياش – النهار

عندما يجتمع اليوم قادة 14 آذار للتحضير للمهرجان الشعبي الكبير في 14 شباط المقبل يكون الامر على نحو التأكد من استمرار وجود برج للمراقبة الذي انتصب في التجمع اللبناني التاريخي والاستثنائي قبل خمسة اعوام. وهو البرج الذي لا يزال ينظم حركة الاقلاع والهبوط على ارض الوطن بعدما كان الرهان في الداخل والخارج على ان اللبنانيين اذا ما تركوا يحكمون انفسهم بأنفسهم كانوا كبرج بابل كلٌ من فيه يغني على ليلاه. لكن الرهان اخطأ الآن وسيخطىء تباعاً

ففي مأساة الطائرة الاثيوبية برهن برج الاستقلال الثاني عن كفاية عالية عز نظيرها في هذا الشرق. حيث كانت تنهمر دموع رئيس وزراء لبنان حزنا على ضحايا الطائرة، فيما كانت انياب حكام ايران تكشر في اعدام شابين بـ"تهمة" التظاهر. هل من يشرح في صفوف الاقلية عندنا من مناصرين الطغاة هذا الفارق؟





خيرة من اخيار الوطن واثيوبيا والجنسيات الاخرى كانوا على متن الطائرة. فمن لبنان كانت نخب علمية واقتصادية ومهنية في طريقها الى القارة التي منحت العالم الخير حتى لمن طلبوه عنوة واستعمارا ونهبا في مراحل التاريخ الاسود. ومن لبنان ايضا على متن الطائرة اثيوبيون يأخذون من لبنان رزقاً حلالاً ولو شابه احياناً القهر والاذلال والتمييز العنصري علما ان الحبشة المسيحية بلادهم كانت الملاذ الاول للمسلمين قبل ان يكوّنوا قبل 14 قرنا امبراطوريتهم العظمى

في الطائرة، كان مشهد الاخذ والعطاء بين لبنان والعالم الذي سيبقى مستمرا مهما كانت النكبات عبر الزمن. والمهم ان من يطير من لبنان في زمن الاستقلال الثاني يعود اليه اياً تكن وجهته في قارات العالم. فيما يتذكر اللبنانيون وسائر من عرفه من الامم ان الاقلاع كان قبلا هو من اجل الرحيل النهائي

اما الهبوط فكان لحالات اضطرارية. ولدى الجميع ذاكرة حية حول اعوام الحروب والغزوات والوصايات. عندما شرع رفيق الحريري في بداية التسعينات من القرن الماضي في تحقيق حلم نهوض لبنان من بين ركام الحرب التي تفوقت على زلزال هاييتي هذه الايام كان المطار في عقله وقلبه. وباصرار لا يلين وُلد هذا الصرح العملاق الذي قزّم العديد من مطارات المنطقة. وما هي الا اعوام حتى كان المطار الذي يحمل اسم بانيه يعيد تكلفته ويسجل الارباح ويفتح ذراعي الاجواء اللبنانية للعالم كما "يفتّح" ايضا اعين الحاسدين والكارهين والطامعين على غرار عدوان اسرائيل في تموز 2006 واجتياح بيروت في ايار 2008.


يخطىء من يضيع جهده في الحزن والغضب في وجه القدر، أكان احوالا جوية عاصفة او اخطاء تقنية او زلازل ارضية. افضل ما يمكن فعله هو استخدام العقل لانقاذ ما يمكن انقاذه واصلاح ما تضرر واعمار ما تهدم والانحناء بخشوع امام الضحايا ونثر الورود على الشاطىء. اما الجهد فيجب ان يكون دوما في تحدي الطغاة والمحتلين وممارسي التسلط والنهب من اي جهة اتوا. انه جهد أذهل العالم على يد رفيق الحريري في بداية التسعينات من القرن الماضي وادار رأسه عام 2000 في تحرير الجنوب وادهشه في آذار 2005.


كتب شارل مالك في سيرته الذاتية الفلسفية التي هي وصيته في بداية الحريق اللبناني الكبير في الربع الاخير من القرن العشرين: "لا يجوز القول بـ"نحن وهم". ومع ذلك هذا بالضبط ما يقوله ويذهب اليه الكثيرون في الشرق الاوسط. وما اخشى ان لبنان اخذ يذهب اليه".


لكنه يضيف: "نحن في لبنان نرفض هذا القول، ونصر على رفضه لأن الاخذ به يعني الانكماش والموت ورفضه يعني الحياة. ونحن نريد ان نكون من اهل الحياة".


نبوءة مالك تحققت. وعلى برج المراقبة للاستقلال الثاني ان يرسل الاشارات في 14 شباط المقبل لتأمين سلامة الوطن وسط عواصف المنطقة التي قد تهب مجدداً