نقداً لنقد سعيد لتجربة ١٤ آذار – جان عزيز – الاخبار

كان مؤثّراً ومتأثّراً، فارس سعيد، في كلامه مساء أول من أمس، سعياً إلى محاولة مراجعة نقدية لحركة 14 آذار. مع أن التوقيت والسياق والأولويات الراهنة والتحديات المتوقعة، كلها تضع المسألة ضمن باب من أبواب الباليونتولوجيا، أو دراسة الآثار البائدة لحضارة زالت…


غير أن الأمانة للذين رحلوا ولمَن بقي، تفرض العودة ولو على بدء، إلى تلك التجربة. ركّز منسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار قراءته على ثلاثة عناوين: التضامن المسيحي ـــــ الإسلامي، التأييد الشعبي الداخلي، والمناخ الدولي المؤاتي. وجعل من هذه المفاصل الثلاثة عناصر قوة الفريق الآذاري في لحظة مدّها، وعناصر تراجعه وانكفائه في زمن جزرها





لكن الحقيقة تبدو في مكان آخر. حتى إن الوقائع تثبت أن حركة 14 آذار، في علّة وجودها الأصلية، ولدت ميتة. أو هي عاشت لساعات لا تتعدى اثنتين وسبعين، لا غير. بعدها، وطيلة خمسة أعوام، كل ما بقي من تلك الحركة، لم يكن غير استطالة فيزيولوجية للشَّعر أو الأظافر، في جثة ظلّت تبحث عمَّن يدفنها


لماذا هذا القول؟ لأن لحظة 14 آذار 2005 لم تكن بذاتها أو لذاتها مؤسسة لأي خطاب أو مشروع، حتى إن العودة إلى كلماتها وتناقضاتها ومماحكاتها في لحظة الساحة تلك، تشي بأكثر من ذلك من الفضائح


الخطاب الجدي الوحيد، كمحاولة تفكُّر إنقاذية، كان قبل ذاك بأعوام أربعة. وتحديداً في لقاء قرنة شهوان، حيث ولدت للمرة الأولى ربما في تلك الحقبة، مقولات ثلاث: أولاً، السعي إلى «تسوية تاريخية» بين اللبنانيين. ثانياً، الانطلاق منها إلى تسوية مماثلة بين لبنان وسوريا. وثالثاً، إخراج آليات الشأن العام اللبناني وأطر التزامه والعمل فيه، من قوالب التخلّف والفردية والعائلية والقبلية، إلى أفق الديموقراطية الإنسانية المسؤولة. وإذا كانت المقولتان الأوليان، قد تضمنتهما وثيقة اللقاء المعلنة في 30 نيسان 2001، فإن المقولة الثالثة أشار إليها شكله، وتوقه إلى لقاءات مماثلة في كل المساحات اللبنانية الأخرى


طبعاً، كان الجميع يدرك أن تلك الآمال الثلاثة لم تكن غير مرحلة انتقالية، لكن إجبارية. ضرورة مرحلية، في انتظار الطموح إلى المثال. فتنتقل التسوية الداخلية إلى «الدولة المدنية» الكاملة. وتنتقل التسوية اللبنانية ـــــ السورية إلى ثلاثية: دولة السيادة في بيروت والمعاصرة في دمشق والاستقلال في فلسطين. وعندها تنتقل آلية العمل السياسي اللبناني من لقاء من لون واحد اضطراري، إلى التلاقي الطبيعي لكل الألوان


هذا هو الخطاب الإنقاذي الجدي الوحيد، الذي كان يعتمل ويتفاعل، في انتظار اللحظة المناسبة. وكانت تلك اللحظة فعلاً بين سقوط رفيق الحريري وخروج الجيش السوري


فماذا حصل عندها؟ أولاً بادر محور الحريري ـــــ جنبلاط إلى رفض مقولة التسوية بين لبنان وسوريا، وولدت لدى قطبيه نزعة حكم «الإقليمين»، بدليل شهادة خدام و«شهادة» كنعان، وبدليل كل الأسرار الواشنطنية، التي يعرفها الدكتور سعيد


في تلك اللحظة، لحظة الانقلاب على ضرورة التسوية مع دمشق، برز ميشال عون معبَراً إلزامياً للتسوية الثانية مع المسيحيين في بيروت، وهو ما أنتج معادلة «التواطؤ المتبادل». قبل البعض بمجاراة محور الحريري ـــــ جنبلاط في انقلابه على منطقية الاعتراف بهذه «السوريا»، مقابل أن يبادلهم سيدا قريطم والمختارة بالانقلاب على منطقية الاعتراف بهذا «العون».


من هذا «التواطؤ» بالذات، ولدت فكرة «التحالف الرباعي». ووضعت في رحم قريطم بالذات في 17 آذار، فيما كان البطريرك الماروني يهمّ بدخول البيت الأبيض، والسفير الإيراني في باريس، ينتقل إلى قصر الصنوبر، لينسج المعنيون وهم ضرب الجسر بين دمشق وطهران


بعد سقوط الركيزتين الكبيرتين من «البرنامج المرحلي» لإخراج لبنان من ذلك المأزق، صارت الركيزة الشكلية الثالثة، واهية حتى الزوال. فعادت السياسة حكراً على القصور والألقاب، وعلى أوراق دفاتر الشيكات أو إخراجات القيد العائلي. حتى اندثرت الفرصة، وانتفى «المومنتوم»، كما كان يحلو للعزيز «جيف» أن يسمّيه


مسؤولية مَن هي كل تلك؟ قد لا تكون مسؤوليات. وقد يصحّ فيها قول: رُبّ ضارّة نافعة. لكن كتابة التاريخ تظل وحدها مسؤولية، لا تحتمل إلا النفع