الأسد للحريري: التّرسيم باقتناع مشترك لا بضغوط الخارج – نقولا ناصيف – الاخبار

خطا رئيس الحكومة سعد الحريري 16 خطوة كي يصبح وجهاً لوجه مع الرئيس السوري بشّار الأسد في قصر تشرين في 19 كانون الأول، لأول مرة بين الرجلين. تصافحا، تبادلا القبل. لكن، ماذا تنتظر الخطوة الـ17؟


انقضى أمس شهر على زيارة رئيس الحكومة دمشق ـــــ وقد وُصفت بأنها تاريخية ـــــ ومصالحته الأسد. كرّت بعدها سبحة جولاته على دول المنطقة، بدءاً بتركيا والأردن، مروراً بالإمارات، وصولاً إلى أبعد من المنطقة، فحطّ في باريس، كي لا يقتصر تحرّكه على الرياض ودمشق، عرّابتي وصوله إلى رئاسة الحكومة وتأليف حكومة الوحدة الوطنية. إلا أن أياً من نتائج اجتماع دمشق لم يطفُ بعد على سطح المصالحة





الحصيلة السياسية الوحيدة، الظاهرة على الأقل، التي أفضى إليها اجتماع دمشق كانت خفض تيّار المستقبل نبرته حيال سوريا والكفّ عن الاتهام السياسي لها باغتيال الرئيس رفيق الحريري، والتركيز على علاقات مميّزة متكافئة في المرحلة الجديدة، وتزايد وتيرة انتقاد حزب الله تارةً باسم عدم شرعية سلاحه ما دام لا يحظى بإجماع وطني، وطوراً باسم الاستراتيجيا الدفاعية على طاولة الحوار الوطني التي يقتضي أن تؤول إلى تخلي الحزب عن هذا السلاح


كانت الانطباعات الأولى عن نتائج محتملة لمصالحة الحريري مع الأسد قد أوحت ببدء الخوض في مشكلتين شائكتين مع دمشق، هما المعسكرات الفلسطينية خارج المخيّمات وترسيم الحدود بين البلدين. أما مصير المفقودين اللبنانيين في السجون السورية، فهو ملفٌ مطويّ نهائياً من وجهة نظر دمشق على الأقل، وكانت قد أبلغت إلى المسؤولين اللبنانيين أكثر من مرة في السنوات الأخيرة، وجهر الرئيس السوري بالموقف نفسه في أكثر من مناسبة، أن لا مفقودين لديها ولا سجناء سياسيين. وهي تأمل أن يغلق اللبنانيون هذا الملف بعدما أوصدت هي أبواب علاقتها به


ومقدار ما أضحى الخوض في ملف المفقودين متعذّراً، والخوض في ملف المعسكرات الفلسطينية لم يحن بعد، فإن ملف ترسيم الحدود استأثر بجانب مهم من مداولات الأسد مع الحريري

ناقشا موضوع ترسيم الحدود اللبنانية ـــــ السورية في اليوم الثاني من الزيارة، الأحد 20 كانون الأول. اقتصرت أحاديث الرجلين، السبت، على الجانب الشخصي والتعارف وتبادل الأفكار في سبيل استكشاف أحدهما قدرته على التفاهم مع الآخر. كان كل منهما يبحث عن كيمياء محتملة بينه وبين محدّثه. احتاج ذلك أيضاً إلى جولة ثانية من مداولات اليوم الأول في عشائهما. إلا أنهما خاضا في السياسة في فطور صباح اليوم التالي


قال الرئيس السوري لرئيس الحكومة اللبنانية في سياق حديثهما: أعرف أن هناك مواضيع تريد طرحها عليّ، ولم تطرحها حتى الآن. سأطمئنك وأبادر أنا إلى طرحها من أجل مساعدتك سياسياً في لبنان، وكي أريحك خصوصاً. تريد طرح ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا. لا مانع لديّ على الإطلاق من تحديدها أولاً ثم ترسيمها. يمكننا أن نفعل ذلك من الآن حتى، ونؤلف لجاناً مشتركة من أجل بدء تحديدها وترسيمها بين البلدين. لكن ماذا بعد التحديد ووضع نقاط حدودية بين البلدين؟ نقاط المراقبة موجودة في الأساس، ونعرفها تماماً. نستطيع أن نفعل ذلك، لكنني لا أقبل بترسيم الحدود بين لبنان وسوريا بناءً على رغبة الغرب والأميركيين، ولا تحت وطأة ضغوطهم، لا في ترسيم الحدود ولا في سواه


أضاف الأسد: لا يمكن ترسيم حدود البلدين إلا استناداً إلى اقتناع مشترك بين حكومتيهما ومصلحة شعبيهما. عندئذ فقط نضبط الحدود ونراقبها ونمنع أي تخريب أمني يستهدف كلاً من البلدين ويؤذيهما. الموقف السوري واضح في ذلك، وأؤكده لك. لن يكون تحديد الحدود وترسيمها تحت ضغط الغرب والأميركيين والقرارات الدولية كالقرار 1680، في ظلّ الضغوط الخارجية لست مستعداً للقيام بأي عمل من هذا القبيل، لأن ترسيم الحدود شأن لبناني ـــــ سوري


ردّ الحريري بما يعبّر عن تفهّم لوجهة النظر السورية وتبنّنٍّ لرأي الأسد: ما نريد القيام به معاً يجب أن يحصل بالتفاهم والتعاون بعضنا مع بعض، لا نتيجة ما يطلبه الخارج أو ضغوطه.
سرعان ما عكس رئيس الحكومة، بعيد عودته إلى بيروت، الموقف نفسه بقوله إن ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا ينبغي أن لا يؤدي إلى رفع سواتر بين البلدين، بل إلى مزيد من التعاون بينهما

كان الوجه الآخر لموقف الأسد ـــــ وجاراه فيه الحريري ـــــ أن الترسيم ينبغي أن يبدأ من الشمال ويتوقف عند مزارع شبعا، إلى أن يجلو عنها الاحتلال الإسرائيلي. عندئذ يعود البلدان إلى استكمال الترسيم. لم توافق قوى 14 آذار والحكومة الأولى للرئيس فؤاد السنيورة على ترسيم يبدأ من الشمال ويهبط إلى الجنوب على نحو ما طرحه للمرة الأولى عام 2006 نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، في حمأة المواجهة بين هذا الفريق ودمشق التي أدت إلى صدور القرار 1680 عام 2006، وتحفّظ سوريا عنه مقرون بتأكيد مزدوج هو لبنانية مزارع شبعا وربط ترسيم الحدود بين البلدين بتحرير المزارع من الاحتلال الإسرائيلي. إلا أن دمشق اعتبرت حينذاك، خلافاً لما رمت إليه قوى 14 آذار بتمسّكها بالمظلة الدولية لتنفيذ القرار 1680، أن ترسيم الحدود اللبنانية ـــــ السورية شأن البلدين، وهما يقرّران المضيّ فيه بلا تدخّل خارجي. مذ ذاك جمّد الموضوع برمّته


في اجتماعهما الأخير، سمع رئيس الحكومة اللبنانية من الرئيس السوري الموقف نفسه بعد انقضاء أربع سنوات. وهو وضع قرار الترسيم بين أيدي اللبنانيين والسوريين. واقع الأمر أن الحريري انضم إلى هذا الرأي، متبنّياً وجهة النظر السورية بفصل الترسيم عن كونه استجابة للقرار 1680، وبالتعامل في موضوع العلاقات اللبنانية ـــــ السورية، وما ينشأ عنها بين البلدين، على أنها خيار مسؤولي الدولتين


مذ سلّم الحريري بالعلاقات المميّزة اللبنانية ـــــ السورية، وجهر بها لأول مرة في ختام زيارته دمشق في 20 كانون الأول، بات كل حلّ لأزمة أو مأزق عالق بين البلدين يشترط تلاقيهما وتفاهمهما على مخارج ملائمة للطرفين معاً، ومن خلال حوار مباشر بينهما. بذلك تبادل الأسد والحريري طمأنة أحدهما إلى الآخر. لم يرفض الأول تحديد الحدود وترسيمها، ولم يطلبها الثاني تنفيذاً لقرار مجلس الأمن أو ضغوط المجتمع الدولي


ولا يعبّر المنحى الإيجابي الذي ساد حوار الرجلين، في إحدى المشكلات التاريخية العالقة بين البلدين، واتفاقهما على مقاربة مشتركة لحلّها، إلا عن أحد مظاهر الاتفاق الجدّي بين الرياض ودمشق على استقرار الوضع اللبناني


موضوع المفقودين اللبنانيين مطوي في سوريا ومصير المعسكرات خارج المخيّمات لم يحن بعد

ليس رئيس الحكومة ولا رئيس الجمهورية هما مَن أبرما هذا الاتفاق، بل ملك السعودية والرئيس السوري اللذان تفاهما على معادلة إقليمية يمثّل لبنان جزءاً رئيسياً في سياقها، إلا أنه يتجاوزه إلى ملفين آخرين على الأقل هما العراق وفلسطين. وبحسب مطّلعين وثيقي الصلة بالطرفين، فإن التباين السوري ـــــ السعودي في الموضوع الفلسطيني لم يخلخل تفاهمهما على استقرار الوضع اللبناني ولا على توازناته الداخلية بشقّيها السياسي والأمني. وهو ما أبرَزَ القواعد الرئيسية لاتفاق الأسد مع الملك عبد الله: كل ملف يقارب على حدة كي يتوصلا إلى الاتفاق عليه وتحييده عن سواه. إلا أن خلافهما على ملف آخر يقتضي أن لا ينعكس على ملف كانا قد تفاهما عليه. على نحو كهذا تناقش الرياض ودمشق بجدّية الملف العراقي بغية التفاهم على إدارة انتخاباته المقبلة بما يفضي إلى تسوية وطنية تكون إيران شريكاً فيها نظراً إلى تأثيرها في هذا البلد. وعلى نحو مماثل يناقشان المصالحة الفلسطينية المتعذّرة ـــــ رغم استمرار تباين آرائهما حيالها ـــــ كونها تتطلّب بدورها التوصّل إلى تسوية وطنية مستقلة في ذاتها، ولكنها تفتح عبر المساعي السعودية باب مصالحة سوريا مع مصر، شأن الدور الذي تضطلع به دمشق لدى إيران لفتح قنوات حوار مع الرياض على الموضوع العراقي


تحت وطأة شبكة الملفات الإقليمية الشائكة هذه، يبدو لبنان في منأى عن الآثار السلبية في الملفات الموازية لملفه. وقد يكون ردّ فعل مسؤول سوري كبير على عبارة قالها وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل، بعد اجتماعه بالرئيس السوري في 5 كانون الثاني، خير معبّر عن الانضباط السوري ـــــ السعودي المتبادل حيال الاستقرار اللبناني. قال الفيصل إنه لم يناقش مع الأسد الملف اللبناني بعدما لاحظ أنه «يسير جيّداً ولا داعي لبحثه». أما ردّ فعل المسؤول السوري، فتركز على دلالة زيارة الفيصل لدمشق بعد انقطاع طويل وُضع حوار الرياض ودمشق من لبنان في تلك الأثناء بين يدي الأمير عبد العزيز بن عبد الله، نجل الملك، وعُزي ابتعاد الفيصل حينذاك إلى وجود أكثر من وجهة نظر داخل العرش السعودي، إحداها غالت في معاداة سوريا، كان الوزير المخضرم أحد دعاتها


بيد أن ذلك انطوى ضمناً على إيحاء بأن لبنان عاد ملفاً بعدما خاضت قوى 14 آذار، بين عامي 2005 و2008، مواجهة ضارية مع سوريا كي تستبدل صفة الملف بصورة الدولة. في نهاية المطاف، في ظلّ التفاهم السعودي ـــــ السوري الذي قاد الحريري إلى دمشق، وإلى تأييده وجهة نظر الرئيس السوري من ترسيم الحدود، ومن قبل موقفه من العلاقات المميّزة بين البلدين تبعاً لما نصّ عليه اتفاق الطائف لا عملاً بمقتضيات العلاقات الدبلوماسية، لن يكون لبنان مرشّحاً لتطورات كبرى في الأشهر المقبلة على الأقل، يقول المطّلعون عن قرب على العلاقات السورية ـــــ السعودية