دوافع غامضة لمقاربة نصرالله المفاجئة حيال المسيحيين – روزانا بومنصف – النهار

على رغم صدور تصريحات استيعابية وتبريرية للملاحظات الاخيرة للامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله من جانب من يُعتبرون حلفاء سياسيين له، فان مقاربته موضوع المسيحيين في لبنان في خطابه في ذكرى عاشوراء لم تكن موفقة حتى بالنسبة الى هؤلاء الذين حاولوا التخفيف مما يمكن ان يقطفه سياسيا المعترضون المسيحيون وغير المسيحيين. فكانت ردود الفعل وطنية عامة تتخطى الاطار المسيحي الى طوائف اخرى ومراقبين اعتبروا ان الخطاب يحاول ان يفرض ميزان قوى جديدا تماما كما حصل في المراحل السابقة من خلال وضع الآخرين في موقع اتهام وتاليا دفاع

وواقع الامر ان ما توجَّه به السيد نصرالله الى المسيحيين على نحو خاص بدا مفاجئا للجميع، والبعض يقول محرجا للحلفاء قبل الاخرين الذين وجدوا مجالا رحبا للرد بمشروعية قوية لاسبابهم ومنطقهم ايضا، اذ لم يفهم مراقبون كثر الاسباب التي دفعته الى هذا الكلام في الشكل والمضمون كما في التوقيت، وما إذا كان السبب انزعاجا من الاصرار على اثارة موضوع سلاح الحزب في كل مناسبة والتذكير بعدم وجود اجماع وطني عليه انطلاقا من الاشكالية التي يثيرها لدى اللبنانيين باعتبار ان مسؤولي الحزب يردّون بانفعال على كل ما يتصل بموضوع السلاح، على رغم قبول اللبنانيين لمناقشته على طاولة الحوار. ام ان السبب هو توتر يعود الى الانفجار الذي حصل في مكتب حركة "حماس" في الضاحية على رغم اعتقاد البعض ان الحركة غير مسلحة في لبنان مما يرمي الكرة في ملعب الحزب. علما ان بعض التساؤل ينسحب ايضا على ما اذا كانت ثمة رغبة في صرف الانظار عن الموضوع الايراني، لتفجره على نحو خطير في الداخل بحيث يحمل مؤشرات بالغة الخطورة بالنسبة الى ايران والحزب على السواء ليس اقلها ان كلفة التمديد لأحمدي نجاد بالنسبة الى النظام الايراني تكاد تشبه في عناوينها وتبعاتها الخطيرة على هذا النظام الذي اطلق النار على المواطنين في ذكرى عاشوراء تكاليف قرار التمديد للرئيس السابق اميل لحود بالنسبة الى سوريا. علما ان عوامل التوتر من التهديدات الاسرائيلية والمخاطر التي يستشعرها السيد نصرالله قد تكون عاملا اضافيا في هذا الاطار




ففي مسألة التوقيت مثلا يبرز عامل مقارنة السيد نصرالله المسيحيين في لبنان بالمسيحيين في العراق، بالتزامن مع نشر وسائل الاعلام اخبارا من العراق تحدثت عن الغاء المسيحيين احتفالاتهم هذه السنة بعيد ميلاد السيد المسيح لتزامن هذه الاحتفالات مع احتفالات الطائفة الشيعية بذكرى عاشوراء، علما ان اجراءات امنية شديدة اتخذت لحماية ليس فقط الكنائس الكبيرة على ما جرت العادة بل ايضا الكنائس الصغيرة. ورغم ذلك فان اعتداءات حصلت على المسيحيين واتُّهموا بتكوين " ميليشيا مسيحية " تتعاطى مع الاكراد، وفق ما جاء في هذه الاخبار

وهذا يشير الى ان المسيحيين يعيشون وضعا غير صحيح في العراق في المرحلة الراهنة. وكان للمقارنة التي اجراها الامين العام لـ"حزب الله" اثر سلبي وهو يعظ المسيحيين بما يجب ان تكون عليه خياراتهم السياسية علما ان المسيحيين في العراق لم يأتوا بالاميركيين الى بلادهم ولا هم استفادوا من وجود الاحتلال الاميركي في حين فعل الآخرون ذلك.
وثمة من يعتقد ان المضمون الذي اورده الامين العام لـ"حزب الله" ليس باهمية الشكل، على رغم تكامل العاملين في اثارة انطباعات مقلقة

فهناك رد فعل سياسي متعدد الطوائف على كلام السيد نصرالله في المجالين، اي الشكل والمضمون، اذ سجل البعض تناقضا بين ترحيب الامين العام للحزب بالجميع في حكومة الوحدة والانتقال سريعا الى ما اعتبره كثر اعطاء الدروس من موقع بدا للمنتقدين استفزازيا على نحو مختلف عن الترحيب متطرقا الى مواضيع لا تبدو في محلها ولا في سياقها كأنه يعلو بموقفه ويتصرف على انه المرجعية التي هي فوق الجميع ناصحا ومحذرا ومحددا مواعيد للهدنة في مكان ومسلطا سيف الاتهام للاخرين على نحو دائم في مكان اخر

وثمة بين حلفاء الحزب من كان يفضل لو حصر السيد نصرالله رده على من يقصدهم بالاسم. فاذا كان منزعجاً من الطعن الذي أعده حزب الكتائب لكان عليه تسميته، علما ان جُلَّ ما قام به هذا الاخير هو عزمه على تقديم طعن بالوسائل الدستورية، كأنما المجال بات يضيق حتى امام وسيلة تعبير ديموقراطية جزم الجميع بعدم وصولها الى اي مكان بمن فيهم حزب الكتائب نفسه. كما كان عليه تسمية "القوات اللبنانية" اذا كان يعكس اجواء داخلية وسورية يقول البعض انها تتنامى ضد رئيس الهيئة التنفيذية في القوات، ذلك انه حين وضع المسيحيين في سلة واحدة فانما اقر على نحو ضمني ان الغالبية المسيحية لم تلتحق بالخيار السياسي الجديد الذي قام به العماد ميشال عون منذ تحالفه مع الحزب، وان هذه الغالبية هي التي لا تزال مؤثرة لدى المسيحيين. وهذا الموقف لا يقوي حلفاءه المسيحيين بل يضعفهم، شأنه في ذلك ما حصل في محطات متعددة في الاعوام القليلة الماضية.