٢٠٠٩: أوّلها مصالحة وآخرها مصالحة – نقولا ناصيف – الأخبار

آخر زعيم لبناني صنع الحدث الأكثر وقعاً سنة 2009، وطوى به كل ما حصل في ثلاث سنوات ونصف سنة، كان رئيس الحكومة سعد الحريري عندما ذهب إلى دمشق. قبله انشقّ رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط عن قوى 14 آذار وعرّضها للانهيار. قبله حققت قوى 14 آذار انتصاراً كبيراً في انتخابات 7 حزيران، بالتزامن مع ثبات الرئيس ميشال عون في موقع الزعيم المسيحي الأقوى. قبلهما دخل البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير على خط الانتخابات النيابية، واتخذ موقفاً بدا انحيازاً صريحاً إلى لوائح 14 آذار وخياراتها السياسية في مواجهة خصومها. قبله أُطلق الضباط الأربعة من اعتقالهم السياسي في ضربة قاسية إلى فريق الموالاة الذي استخدم سجنهم جسر عبور إلى اتهام سوريا باغتيال الرئيس رفيق الحريري. قبلهم أيضاً نجح الموالون في إطلاق المحكمة الدولية طريقاً إلى العدالة وكشف قتلة الحريري الأب وردع الاغتيال السياسي، وعززوا هذا الانتصار بقبولهم سلفاً كل ما يصدر عنها. وقبل ذلك كله تصالحت السعودية وسوريا في قمّة الكويت، وكرّستا معادلة تقاسم نفوذهما في لبنان، فلا يستأثر به أحدهما، ولا ينازع واحدهما الآخر على حصته فيه. صنع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله حدثاً عندما طالب، بعد اعترافه بخسارة انتخابات 2009، بحكومة وحدة وطنية أشعرت قوى 14 آذار بوهم الانتصار، وعندما أعلن الوثيقة السياسية

هكذا أول عام 2009 مصالحة الملك عبد الله مع الرئيس بشار الأسد في 19 كانون الثاني، وآخره مصالحة الحريري مع الأسد في 19 كانون الأول. على مرّ عام كامل، اختبر زعيما الدولتين حاجة كل منهما إلى الآخر لتكريس الاستقرار في لبنان. تحاورا بالواسطة طويلاً إلى أن زار الرئيس السوري جدّة في 23 أيلول، والملك دمشق في 7 تشرين الأول. مذ ذاك ارتسمت ملامح الاستقرار اللبناني تبعاً لقاعدة وازنت بين وجود الحريري في رئاسة الحكومة وحزب الله في احتفاظه بسلاحه. على امتداد أحداث السنة، بتفاهم مباشر مع الرياض، كانت سوريا صاحبة خط وجّه الأحداث والوقائع تباعاً كي تنتهي لمصلحة الاعتراف بنفوذها في لبنان.




أولها، أنها ثبّتت اتفاق الدوحة تسوية دائمة حتى إشعار آخر، بعدما بدا الاعتقاد بأن مفاعيل الاتفاق تنتهي بإعلان نتائج الانتخابات النيابية، وفي ضوئها يرتسم توازن قوى جديد منبثق منها. ولأن الأمر كذلك، حدّد اتفاق الدوحة آلية المرحلة الانتقالية بأن ناط برئيس الجمهورية دوراً توافقياً، ووزّع السلطة الإجرائية في حكومة الوحدة الوطنية، وقسّم الدوائر الانتخابية رضائياً، ووضع سلاح حزب الله على طاولة الحوار الوطني. ورغم خروج رابح وآخر خاسر من انتخابات 2009، ظلّ اتفاق الدوحة نافذاً. أنكر نتائج الانتخابات، وحدّد ملامح المرحلة التالية بحكومة 15+10+5 أضحت حكومة وحدة وطنية بعدما أعلن الحريري رغبته في تأليفها، ومهّد لذلك بسحب سلاح حزب الله من التداول، فإذا باتفاق الدوحة يعيد التوازن السياسي الداخلي إلى ما كان عليه غداة أحداث 7 أيار 2008، عندما فرض ميزان قوى عبّر عمّا أفضى إليه النزاع المسلح في الشارع. تحوّل اتفاق الدوحة من آلية حلّ انتقالي إلى تسوية سياسية دائمة تمثّل ضمان الاستقرار الداخلي. في النصف الثاني من 2009 استمرت مفاعيل ما حدث في 7 أيار، وفُصِل نهائياً بين نتائج انتخابات نيابية وتكوين سلطة إجرائية يقتضي أن تعبّر عن تلك النتائج

ثبّت اتفاق الدوحة مجدّداً أعرافاً ستصاحب كل استحقاق حكومي في المرحلة المقبلة: حكومة وحدة وطنية بنصاب ثلث معطل معلن أو مبطّن، تخلي رئيسي الجمهورية والحكومة عن جزء من صلاحية التأليف بقبولهما الموافقة المسبقة للفريق الآخر على حصته في مقاعد الحكومة وحقائبها وتسميته وزراءه حتى، بل أيضاً على أعراف تولّدت من أعراف. يصدر بيان وزاري بتحفّظ وزراء عن بنود واردة فيه لا يحملهم على الاستقالة، بل يشجّع نواب تكتل رئيس الحكومة في البرلمان على تصعيد وتيرة انتقاد البيان الوزاري. أسوة برئيس الجمهورية والجيش، كان الحريري يتحدّث عن المقاومة، ونواب تكتله وحلفاؤه يتحدّثون عن سلاح حزب الله

ثانيها، تفكّك قوى 14 آذار بتحوّلها من أوسع تكتل سياسي وطني شهده لبنان في العقود الأخيرة، إلى تحالف ثنائي بين طرفين هما تيّار المستقبل والأحزاب والشخصيات المسيحية المستقلة. انهار التحالف على مرحلتين غير متباعدتين أبرزتا هشاشة تماسك قواه في انتخابات 7 حزيران: الأولى عندما أعلن جنبلاط يوم 2 آب خروجه من ائتلاف كان رأس حربته في مواجهة سوريا وحزب الله، والثانية عندما وافق الحريري على ربط ترؤسه حكومة وحدة وطنية بزيارة سوريا التي كانت قوى 14 آذار قد بنت وحدتها وشعاراتها على حملات مناهضتها والعداء لها، والسعي إلى إنهاء نفوذها في لبنان، والإصرار على اتهامها باغتيال الرئيس الراحل. وبذهاب الحريري إلى دمشق وإقراره من هناك بعلاقات مميّزة لبنانية ـــــ سورية، في عبارة استعملها لأول مرة منذ عام 2005، وتخلّيه تالياً عن هذا الاتهام، وجد حلفاؤه المسيحيون أنفسهم على هامش تطورات متسارعة توشك أن تفقدهم التأثير كشريك فاعل داخل 14 آذار. ورغم أن انشقاق جنبلاط عن قوى 14 آذار واستعادته شعارات دعم المقاومة والعلاقات المميّزة مع سوريا مثّلت بادئ بدء ضربة قاسية للحريري، فإنّ ذهاب الأخير إلى دمشق أعاد جمع الحليفين في موقع واحد. ليس الاكتفاء بمصالحة الأسد فحسب، بل الدخول وإياه في حقبة تنظر إلى سوريا على اعتبار أنها صاحبة دور إيجابي وبنّاء في لبنان

كلاهما أرسل إشارات مبكّرة إلى هذا التطور. لم تتدخّل دمشق في الانتخابات النيابية واعترف المجتمع الدولي بحيادها، وأنقذت تأليف حكومة الوحدة الوطنية بعدما فرضت والرياض على فريقي النزاع معادلة 15+10+5. ردّ جنبلاط والحريري بإشارات مشابهة. قال الأول إنه مشتاق إلى دمشق ونادم على إهانته الرئيس السوري، وشطب الثاني من البيان الوزاري كلمة ندّية العلاقات اللبنانية ـــــ السورية وكرّس المقاومة حقاً مستقلاً في خطة تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة. واقع الأمر أن خطر السلاح الشيعي الذي دقّ أبواب الجبل بعد 7 أيار 2008، حمل جنبلاط ـــــ أو يكاد ـــــ إلى دمشق، والمصالحة السعودية ـــــ السورية أرغمت الحريري على القفز فوق كل شعارات 2005 و2008 كي يدقّ بدوره أبواب الأسد، ولا يُحجم في المبيت في سريره

لم ترمِ زيارة دمشق إلا إلى مصالحة الحريري الابن مع الرئيس السوري الذي غالباً ما شاب علاقته بالحريري الأب غموض والتباس مرّا بأكثر من امتحان، بدءاً من الانتخابات النيابية عام 2000. وخلافاً للزعيم الدرزي الذي افتتح افتراقه عن دمشق في تشرين الأول 2000، بعد ثلاثة أشهر على تسلّم الأسد الحكم، ومُنِع حينذاك من زيارة سوريا، تفادى الرئيس الراحل أكثر من صدام مع الأسد، والتزم مرغماً خيار الأخير التمديد للرئيس إميل لحود وإخلاء الحكم للرئيس عمر كرامي عام 2004.

لا يستطيع إخبار الحريري الابن بمرارة علاقة والده بسوريا وكذلك بمحطات نجاحها، في ظلّ الرئيس حافظ الأسد ثم في ظلّ خلفه، إلا أحد اثنين لا يزالان على قيد الحياة من أصدقاء والده. كانا في قلب النظام وشكّلا مرجعية بالغة الأهمية لدى الأسد الأب في حماية دوره وموقعه وخياراته، وكذلك في تبرير إدارته السلطة في لبنان، وقد أضحيا الآن في موقعين متباعدين من القيادة السورية الحالية: نائب الرئيس المنشقّ عبدالحليم خدام والعماد الأول المتقاعد حكمت الشهابي. كلاهما حمل لأقل من عقد من الزمن، هو عمر تجربة الحريري الأب في رئاسة الحكومة، مفتاح الولوج إلى سرّ الرئيس السوري الأب ثم الابن. سرّ النظام كسرّ الرئيس.
ثالثها، مع أن دمشق سلّمت بتبادل ديبلوماسي مع لبنان وضعته موضع التنفيذ الجدّي في 16 آذار، مذ رُفع العلم اللبناني فوق مقرّ السفارة في حيّ أبو رمانة بدمشق، إيذاناً بافتتاحها وتدشين العلاقات الديبلوماسية بين البلدين، أذِنت هذه الخطوة أيضاً باستمرار ما اشتكت منه قوى 14 آذار بين 2005 و2008 ولم تسعَ إلى نقضه، وهو الإطار الذي وضعه اتفاق الطائف لتنظيم العلاقات اللبنانية ـــــ السورية. وعوض توجّه البلدين إلى صيغة تنظيم مختلفة تستمد أصولها من التبادل الديبلوماسي والاتفاقات التي يرعاها القانون الدولي في علاقات الدول، انتهت زيارة رئيس الحكومة بإعادة تكريس العلاقات المميّزة اللبنانية ـــــ السورية تبعاً لما نصّ عليه اتفاق الطائف. ولا تعني هذه، في أي حال، إلا العودة إلى معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق التي انبثق منها المجلس الأعلى السوري ـــــ اللبناني. واقع الامر أن سوريا، بلسان أكثر من مسؤول فيها، تحدّثت دائماً عن تأييدها اتفاق الدوحة ودعمه في آلية تكوين السلطة، وعلى الأخصّ تأليف حكومة الوحدة الوطنية، إذ وجدتها باستمرار ضامن الاستقرار، وتحدّثت أيضاً عن تأييدها اتفاق الطائف إطاراً وحيداً لتنظيم العلاقات المميّزة بين البلدين