٢٠٠٩ عام التسوية والخيبة بين باعة الأوهام وباعة الأوطان – جان عزيز – الأخبار

طريف تصفُّح المواقع الإلكترونية للقوى السياسية اللبنانية المختلفة، مع سقوط آخر ورقة عن روزنامة عام 2009. كأن فيه إسقاطاً لورقة هشّة شفّافة عن عورات سنة مأزومة بالخيبات، الناتجة بدورها من كونها سنة التسويات. «الشوارع» كلها مأزومة بعام الخيبة، كما تظهرها تلك المواقع. ليست ازدواجية في خطاب «المستقبل» أو «14 آذار»، ولا توزيع أدوار عند «الحزب» و«التيار». بل هي المسافة بين الحلم والواقع، بين ما كان مرتجى أصلاً وما تحقّق فعلاً. كل شرائحهم «الإلكترونية» تعيش سمات تلك الخيبة. تعبّر عنها بمنسوب مرتفع من التعبئة وبعض الكراهية وآثار عنف بنيوي وذيول أحقاد

في الجانب المسيحي، تبدو المفارقات جليّة أكثر، حتى البداهة. فتية جعجع تحرّكهم معادلة أنهم ربحوا الانتخابات النيابية، فيما خصومهم هم مَن ربح التشكيلة الحكومية. «جيل عون» تسكنهم معادلة أخرى: تموضعنا السياسي هو مَا ثبتت صوابيته ودقته، ومع ذلك نبدو في حشرة بين عدم فهم بعض المسيحيين لواقعيتنا الرابحة، وحصد غيرنا لكأس المرتبة الأولى في النظام…




في الجانب الإسلامي، لا تبدو الأمور أقل مفارقة وتناقضاً. فشارع الحريري يسائل نفسه: ماذا سنقول في 14 شباط المقبل؟ هل ننزل إلى الساحة كما في الأعوام الماضية؟ وتحت أي شعار وعنوان وأيّ خطاب؟ شارع جنبلاط مستكين أكثر إلى الطبيعة التقلّبية لزعيمه، لكنه يبحث عن تبريرات لحلفائه، كي لا يستعيض عنها بضرب العصي، كما حصل في اللبنانية ـــــ الأميركية، عند الجدار الملاصق لقريطم.

شيعياً، تبدو الأزمة أكثر عمقاً وكموناً خلف عناوين التعبئة المستمرة والنصر الدائم. لكن الأسئلة ماثلة حول خريطة الطريق للانتقال الكامل من نطاق «الضاحية ـــــ الأمة»، إلى مشروع تفصيلي لوطن الشراكة الواحد، في ظل الإحساس بفائض القوة حيال الخارج، وإدراك عقمها أمام توازنات الداخل الثابتة…

سنة التسويات كانت سنة 2009، في كل «الشوارع» اللبنانية. ولأنّ التسوية تحصل من فوق، فهي تتلازم مع الخيبة من تحت. تلك ربما طبيعة السياسة، والتدرّج على مراتبها بين القاعدة والزعامة. غير أن الواقع اللبناني تفصله شعرة واهية عن احتمال آخر، يقارب المأساة. احتمال أن يحسّ كل شباب لبنان أن الزمان قد قسا عليهم، حتى كاد يحشرهم بين باعة أوهام العام المنصرم، وباعة أوطانٍ في العام المقبل

ففي «وعي» الشارع تشيخ الأوهام ولا تسقط، ويترنّح حلم الوطن ولا يثبت. وحين يتواجه هذا «الوعي» مع يقظة التسوية، يسقط آخر حصن من حصون المراهقة السياسية وطفولية الالتزام بالشأن العام. في سنة كالمنصرمة، تدير الاثنتان خدّيهما لصفعة متجدّدة من تاريخ هذا الوطن الغريب العجيب، حيث لا حقّ، ولا مبدأ، ولا قيمة، ولا حقيقة… إلّا ما يستولد منها من رحم التسويات. ما بقي معادلات تجريبية لا غير. ومَن يبقى، كائنات مختبرية لا أكثر

مع عام 2010، مطلوب ربما من الكثير من أجيال «الشوارع» أن يتكيّفوا مع ثوابت الصيغة اللبنانية الفريدة. أن يطفئوا مع ليلة رأس السنة شمعة أخرى مما بقي في نفق الواقع، وأن يروا بعيون مغمضة مصائر المسيرات النفاقية، وأن يكشفوا بقايا الضمائر النافقة

بعد تكيّفهم، قد يتلاقون ربما، متقاطرين من «الساحتين» المتقابلتين، ليتّحدوا في مقاهي البلد وعلب ليله، من دون أن يُصدموا لرؤية أحلامهم فيهما تدوسها قدما سائح، أو يطمروا براز حمامهما، كما الآثار البائدة وبقاياها في الساحتين

بيروت 2010، قد تكون عاصمة عالمية لدفن الأحلام ووأد الثورات، ورصف الآفاق جدراناً من أسمنت وعجز… والاكتفاء بالحياة. هل أخطأ أجيال «الشوارع» إذاً في أعوامهم الماضية؟ ذنبهم الوحيد ربما أنهم حشروا أنفسهم بين باعة الأوهام وباعة الأوطان، وأنهم اشتروا ودفعوا…