كيف رُتّبت زيارة الحريري لدمشق وأيّ حديث جرى عن المحكمة الدولية؟ – ابراهيم الأمين – الأخبار

لم يعثر السياسيون ولا الصحافيون بعد على ضالّتهم الخاصة بزيارة الرئيس سعد الحريري لدمشق. الرجل لم يتكلم الكثير، نُقلت عنه انطباعات عامة، وما تسرّب من سوريا لم يتجاوز هذا الإطار أيضاً. والسبب هو أن الرئيس السوري بشار الأسد والحريري لا يرغبان حتى اللحظة في الإتيان على تفاصيل ما دار بينهما. هذا لا يعني أن جهات بارزة في لبنان والسعودية لم تطّلع، بل هي عرفت بتفاصيل كثيرة، لكنّ الاتفاق على التكتم يسري على هؤلاء أيضاً

وسط هذه الانطباعات التي اتسمت بإيجابية، صار كثيرون يقرأون الزيارة من زوايا مختلفة. بعضهم تخصّص في علم «حركة الجسد» وصار يفسّر الموقف النفسي للرئيس الحريري ساعة وصوله إلى دمشق، وكيف كانت الأمور على محيّاه قبل المغادرة. وآخرون توقفوا عند تفاصيل تقنية للاستقبال السوري للتغطية على نقص في فهم حقيقة ما حصل. إلا أنها، ربما، المرة الأولى التي يقلّ فيها عدد المتطوعين للادعاء أنهم رتبوا الزيارة من ألفها إلى يائها، علماً بأنّ الدائرة الضيقة لدى الجانبين تؤكد يوماً بعد يوم، أن التفاصيل الفعلية ظلت بيد الوسيط السعودي الأمير عبد العزيز ابن الملك عبد الله




في هذا السياق، يمكن فهم بعض الأمور والاطلاع على بعض التفاصيل التي تشير إلى طبيعة اهتمام الجانبين بالزيارة وما يأتي بعدها، مثل موعد الزيارة الذي حُدّد في وقت متأخر بسبب تعديل طرأ إثر وفاة شقيق الرئيس السوري، رغم أن بلبلة سادت لأيام قليلة إثر الكشف عن صدور مذكرات التبليغ بحق عدد كبير من الفريق الأمني والسياسي والإعلامي والقضائي لرئيس الحكومة، للمثول أمام القضاء السوري في دعوى اللواء جميل السيد. وقد حاول الحريري نفسه العمل على إلغاء مذكرات التبليغ هذه، اعتقاداً منه أنها رسالة سياسية، وأن زيارته قد توجب على السوريين الأخذ بطلبه إلغاء مذكرات التبليغ هذه. وهو فوجئ كما آخرون، بأن محاولات رئيس الجمهورية ميشال سليمان والأمير عبد العزيز واتصال تركي باءت بالفشل. وكان الجواب عنها موحداً من جانب القيادة السورية: لا علاقة لهذا الأمر بالزيارة، وهو أمر قضائي. وبعدما أُقفلت أبواب القضاء اللبناني والدولي أمام من تعرضوا للظلم من مجموعة سعت إلى توريط سوريا إلى جانب لبنانيين في الجريمة، لا يمكن سوريا أن تقف عقبة أمام تحصيل الحقوق، وهو أمر نهائي لا نقاش فيه ولا رجعة عنه

كانت هذه العبارات كافية ليفهم الحريري بنفسه، قبل أن يعيد السعوديون الكلام نفسه أمامه: الزيارة يجب أن تحصل، ولن تكون أمامها أي عقبة، ما ساعد رئيس الحكومة على الانتقال إلى البحث في التفاصيل. وكان عليه أن يختار بين عرضين قدّمهما إليه السوريون ونقلهما إليه الوسيط السعودي:

أولاً: زيارة تلبية لدعوة رسمية بصفته رئيساً للحكومة، يصل إلى مطار دمشق حيث يكون نظيره السوري في استقباله مع فرقة من حرس الشرف وأخرى تعزف النشيدين الوطنيين، ثم ينتقل الجميع إلى مقر رئاسة الحكومة السورية حيث تعقد جولة محادثات رسمية تتصل بآلية التعاون بين الجانبين، يعقبها غداء عمل، بعدها يستقبل الرئيس السوري الضيف لساعة على الأكثر، كما يقتضي البروتوكول، بحضور نظيره السوري، ثم يعود الحريري إلى بيروت

ثانياً: زيارة بدعوة رئاسية سورية، تقتصر على الاجتماع بالرئيس السوري مع بروتوكول خاص لضيوف الرئاسة السوري حيث التفاصيل المتصلة بمكان الإقامة وبرنامج اللقاءات والاحتفاء به والبيانات التي تصدر عن الاجتماعات، إضافة إلى مدة الزيارة

ما حصل هو أن العرض الثاني الذي أخذ به، ربما لم يحصل أحد على جواب عمّا إذا كان الوسيط السعودي قد أومأ إلى الحريري بأن يأخذ به، أو أن الحريري هو من بادر إلى حسم الأمر. لكن النتيجة هي أن الحريري قرر في اللحظة المناسبة اعتماد سياق لعلاقته مع سوريا تأخذ في الاعتبار البحث الجدي مع مركز القرار، وأن بقية الأمور المتصلة بالعلاقات الرسمية بين البلدين مقدور عليها، وكان عليه إجراء مجموعة من الخطوات ربطاً بالقرار. حصل تواصل بين إدارتي المراسم في رئاسة الحكومة اللبنانية ورئاسة الجمهورية السورية. وفي وقت لاحق، حُدد الموعد وأُرسلت برقية تضمّنت لائحة أسماء المرافقين الأمنيين لرئيس الحكومة والوفد الإعلامي المرافق. لكن لائحة مرافقي الحريري من السياسيين أو الرسميين وردت قبل ساعة من إقلاع طائرة رئيس الحكومة إلى دمشق

 لم تكن دمشق تضع شرطاً عليه لعدم اصطحاب هذا، أو رغبتها في اصطحاب ذاك. قرر الحريري من تلقاء نفسه عدم إحاطة زيارته بعناصر توتر، وقرر فجأة أن يقتصر الوفد على مدير مكتبه وابن عمته نادر، الشاب الذي اهتم الجانب السوري بالتعرف إليه عن قرب، وتولت الوزير بثينة شعبان النقاش معه في كثير من الأمور

هذا في الشكل، وحتى موعد العشاء الموسع الذي حضره عدد من المسؤولين السوريين، كان الحديث لا يزال محصوراً بين الأسد والحريري. في هذا اللقاء، جرى تبادل للآراء بطريقة يعرف الجميع أنها ستخرج إلى دوائر أخرى بينها وسائل الإعلام، لذا عرض لطريقة تعاطي وسائل الإعلام مع حدث الزيارة ومع ملف العلاقات بين الجانبين. شكا الجانب السوري أداء قناتي «المستقبل» و«العربية» مقابل شكوى الحريري من أداء قناة «الجديد». وبدا في الأمر ما يمثّل أحد عناوين التفاهم التي تمت بين الرجلين، وهو العنوان المتصل بأنّ بناء الثقة يتطلب مجموعة من الخطوات، بينها وقف أي نوع من الحملات الإعلامية. في هذا المجال، تتصرف سوريا بطريقة تختلف عن تصرف قوة سياسية أو جهة حزبية. وهي متى التزمت، يُوقَف أي شكل من أشكال الانتقاد للحريري من أي شخص أو وسيلة تخضع لسلطة دمشق. وهو أمر تفترض دمشق أنه يمكن أن يكون على الصورة نفسها من جانب الحريري الذي يمون مباشرة على مجموعة من وسائل الإعلام المملوكة من مؤسساته. وهذا محل مراقبة الآن، ويبدو أنه سيكون أحد العناصر المؤثرة في مستقبل العلاقة بين الجانبين.
لكن، هل صحيح أن الرجلين تجنّبا نهائياً ملف التحقيق الدولي؟

الأكيد أن الأمر تعرض للنقاش، وأن رئيس سوريا قال إن عمل المحكمة يخصها، وإن سوريا تتعامل مع أي واقعة بحسب مطابقتها للحقيقة. وإذا اتُّهم أي مواطن سوري، فإن دمشق ستطلب أدلة صلبة وواضحة وغير قابلة للطعن أو الشك، وهي لن تقبل أن يتكرر معها فيلم الاتهامات السياسية وشهود الزور… كان كلام الأسد كافياً لكي لا يضيف الحريري سوى أنه ينتظر قرار المحكمة، لا أي شيء آخر