شيزوفرنيا؟ – جوي سليم

ما أسخفنا حين تعلو أصواتنا تبجّحاً ومزايدةً في شؤون عدّة، ،وحين نأتي للتنفيذ نقف مكتوفي الأيدي،خائفين مترددين

لعل مرّد ذلك إلى طبيعة مجتمعاتنا الشرقية التي تتقن فنون اللغة والبلاغة وتنسى النظر في لب القضايا . ولعل رمي المسؤولية على مجتمعاتنا هو خطأ بحد ذاته

كلّ منا بامكانه الإسهاب في أحاديث لا نهاية لها عن التحرر والتجديد، عن هدم التقاليد ووضع أسس ودعائم لمجتمع متحرر ،مجتمع مثالي لا تقيده عادات ولا تكبّل يديه أعراف وطقوس
في بلادنا، إذا أتينا بطفل في العاشرة من العمر يستطيع أن يحدّد مفهوم الحرية وأن يكتب مطوّلات عن الثورة على كل ما هو قديم

في بلادنا، كلنا فلاسفة وحكماء، كلنا نقاد لاذعون وأدباء مخضرمون، كلنا محدثون بإمتياز نتقن اللعب على الكلام والهروب في زوايا اللغة
وفي بلادنا أيضاً، نعجز عن تنفيذ بنداً واحداً من "وثيقة الثورة"، نعجز عن تطبيق فاصلة واحدة ذكرت في أحاديثنا الطنانة

نحن -مع الاسف- تائهون بين ما هو نظري وعملي، نكتفي بالأبحاث والحكم والمواعظ ونخاف تحويلها إلى واقع ملموس

كل منا في داخله جن يدعى "التقليد" خاضع له، يأتمر بتوجيهاته ويخاف من احكامه! الفرق في ما بيننا هو درجة تحكم هذا الجن فينا

فالبعض يظهره إلى العلن ويجاهر بأنه تقليدي، يسير على خطى السلف وهو قانعٌ بذلك

والبعض الاخر- وهنا الكارثة- هو الذي يخجل به ويعمل على اخفائه من خلال الحديث عن الثورة وعن رياح التغيير التي ستهب! وهو (أي جن التقليد) مسيطر عليه تماماً ،فعند التنفيذ، لا يتجرأ حتى على رفع عينيه تجاهه وقول"لا"!!

إلى متى سنبقى هكذا؟ إلى متى سنلبس ألسنتنا قوالب ذهبية، ونجعل ارادتنا تحت حذاء العادات والتقاليد؟ إلى متى سنبقى الحرية عندنا مقامها مقام الله نخشاها ونبحث عنها، نسرد عنها قصصاً خلال النهار وتراودنا في الحلم خلال الليل

إلى متى سنبقى سجناء عناوين فضفاضة نجهل ماهيتها ونعزي أنفسنا لذلك بكلام منمق ومتوارث من جيلٍ إلى جيل؟

لقد حان الوقت كي نعالج أنفسنا من الشيزوفرنيا المسيطرة علينا!حان الوقت كي نوّحد بين الكلمة والفعل

فلنستفق… فلنستفق