//Put this in the section

من هــي الجـــهــة الصـــالــحــة لأيّ تعــديـــلات مقــتــرحـــة ؟ – سمير منصور – النهار

كثر الحديث اخيراً عن الدستور انطلاقاً من مواقف مختلفة بعضها اشار تكراراً الى "انجازات" و"سوابق" وما شابه، يطالب اصحابها بتكريسها اعرافاً، وان لم تكن ملحوظة في الدستور او مخالفة له، مثل اعطاء رؤساء الكتل حق تسمية وزرائهم حصراً من دون تدخل او "حق الاعتراض" حتى من رئيس الجمهورية او الرئيس المكلف تأليف الحكومة.

وقبل ذلك كانت هناك مواقف من بعض اطراف المعارضة يتعامل اصحابها مع ما اتفق عليه في اجتماعات العاصمة القطرية الدوحة بين اطراف الازمة اللبنانيين للخروج من مأزق تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية ومعالجة تداعيات حوادث 7 ايار الدامية في بيروت وبعض مناطق الجبل، وكأن ما اتفق عليه في الدوحة لمعالجة أزمة آنية قد اصبح عرفاً او جزءاً من الدستور، ولا سيما منه ما يتعلق بالثلث "المعطّل" او "الضامن" في مجلس الوزراء، الى مواقف اخرى من بعض اطراف الاكثرية النيابية ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما يتعلق بالنص الذي يحدد ولاية رئيس مجلس النواب (4 سنوات) اي طوال مدة ولاية المجلس، وقد وضعه "خارج المحاسبة او المساءلة"، الى بعض التفاصيل ذات الصلة بآلية تأليف الحكومة مثل اقدام احد رؤساء الكتل النيابية (النائب ميشال عون) على اعلان اسماء "حصته" من الوزراء مستبقاً صدور مراسيم التأليف وفق الاصول والدستور.




ولعلّ اكثر المواقف هدوءاً كانت تلك التي صدرت عن رئيس الجمهورية ميشال سليمان حول تعديلات مطلوبة ليس اقلها ما يتعلق بالمهلة المعطاة لرئيس الجمهورية لتوقيع المراسيم، وبعدها تصبح نافذة حكماً حتى اذا لم يوقعها، وهو ما لا ينطبق على الوزراء المختصين. ومع ذلك فقد "فرمل" رئيس الجمهورية دعوته تلك لافتاً الى اهمية توفير الاجواء الوفاقية والسياسية المؤاتية لأيّ تعديلات.

وتزامناً، شكّل اعلان رئيس الجمهورية عزمه على الدعوة الى معاودة جلسات الحوار الوطني بعد تأليف الحكومة ونيلها ثقة مجلس النواب – وان دون تحديد موعد نهائي – فرصة للربط بين طاولة الحوار وتعديلات دستورية محتملة او مطروحة على بساط البحث، وهذا ما دفع جهات نيابية وسياسية الى استباق اي خوض في التعديلات الدستورية ولفت المعنيين بالامر على اختلافهم الى ان اي تعديلات في الدستور، انما هي من صلب عمل المؤسسات الدستورية، وقد لحظ الدستور آليات لهذه الغاية من ضمن هذه المؤسسات، اي رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس النواب، في حين ان المواضيع المدرجة في جدول أعمال طاولة الحوار الوطني، مثل "السلاح" و"الاستراتيجية الدفاعية" و"المعسكرات خارج المخيمات تحت عناوين فلسطينية" لم يلحظها الدستور، وبالتالي لم يلحظ آلية "لتعديلها"، مع الاشارة الى ان اي قرار في شأنها، لا يصبح نافذاً الا بعد المرور بالمؤسسات الدستورية. ومن هنا السؤال: هل طاولة الحوار الوطني هي الجهة الصالحة لاجراء تعديلات دستورية؟
يقول مرجع قانوني ودستوري ان "لا مانع اطلاقاً من الوجهة السياسية ان يتداول اعضاء هيئة الحوار بقضايا قانونية ودستورية، شأنهم شأن اي مجموعة أو ندوة او حلقة حوار. ولكن لا سلطة تقريرية لهيئة الحوار الوطني، بمعنى ان قراراتها غير ملزمة، وهي اصلاً لا تتخذ قرارات بل تصدر توصيات اذا صح التعبير، واما اتخاذ القرار ووضع التوصيات موضع التنفيذ، فيعود الى المؤسسات الدستورية. والتعديل يتم وفق المادتين 76 و77 من الدستور. فالمادة الاولى تقضي بأن يقترح رئيس الجمهورية تعديلاً دستورياً ما وتضع الحكومة بناء على هذا ا لاقتراح "مشروع قانون دستورياً" بتعديل الدستور وتحدد من خلاله المواد المقترح تعديلها مع كل التفاصيل والاقتراحات، وترسله الى مجلس النواب لمناقشته واقراره او عدم اقراره".

واما المادة الثانية (77) من الدستور فتقضي بأن يأتي اقتراح تعديل الدستور من مجلس النواب من خلال عريضة موقعة من عشرة نواب تعرض على الهيئة العامة للمجلس في دورة عادية لا استثنائية، وعلى مجلس النواب ان يوافق بأكثرية الثلثين، فإذا وافق يرسل رئيس المجلس هذه الاقتراحات الى الحكومة مقترحاً وضع مشروع قانون بتعديل الدستور. واذا وافقت، يكون امامها مهلة اربعة اشهر لوضع مشروع القانون. واذا لم توافق ترد المشروع الى رئيس مجلس النواب. واذا اصر المجلس على التعديلات بأكثرية ثلاثة ارباع الاصوات تصبح الحكومة امام احتمالين: اما ان يستجيب رئيس الجمهورية لطلب مجلس النواب ويقترح على الحكومة وضع مشروع قانون بالتعديلات المطلوبة بموجب العريضة النيابية، واما ان يحل مجلس النواب (له الحق في هذه الحالة). واذا حل المجلس تدعو الحكومة الى انتخابات نيابية. فإذا اصر المجلس الجديد على التعديلات المقترحة وفق الآلية الدستورية، تصبح الحكومة عندئذ ملزمة وضع مشروع قانون دستوري يتضمن هذه التعديلات. وبذلك يكون قد تم الاحتكام الى الشعب، عندما تصل الامور الى طريق مسدود، وهذا هو السلوك الطبيعي في كل نظام ديموقراطي برلماني.

واما خارج المؤسسات الدستورية، فلكل جهة الحق في اقتراح تعديلات دستورية، ولكن اتخاذ القرار يعود الى هذه المؤسسات، اي انه في نهاية الامر، كل تعديل في الدستور يتم من خلالها، وقد لحظ الدستور آلية للتعديلات. واما طاولة الحوار الوطني فتتولى عند الضرورة البحث في كل شأن وطني سياسي عام لم يلحظه الدستور، وبالتالي لم يلحظ آليات تتعلق بتعديلات في شأنه.

وأياً يكن الامر، فإن طاولة الحوار بما يمثل اعضاؤها الذين يتم اختيارهم وفق معايير محددة، تشكل رافعة لعمل المؤسسات الدستورية ومؤازراً لها، ولا سيما عندما يتعلق الامر بقضية وطنية سواء كانت خلافية او موضع نقاش.

وحتى اشعار آخر يبقى عملها محصوراً في البنود المدرجة في الجدل اعمالها. وتجدر الاشارة اخيراً الى ان طاولة الحوار بهيئتها الجديدة بعد الانتخابات النيابية لم تشكل بعد، وان الجدل حول الدستور انحسر مع تعميم الاجواء الوفاقية التي افضت الى تأليف الحكومة.