علامَ تفاهمت سوريا والسعودية؟ – إبراهيم الأمين – الأخبار

منذ السابع من حزيران الماضي، والبلاد لا تعيش إلا على خبر واحد وهو مصير الحكومة. ورغم التباري في التقويمات وفي إطلاق الاتهامات، إلا أن الحقائق الفعلية عند الجمهور كما عند السياسيين، هي أن لبنان اليوم يعاني أزمة مؤسسات هي الأخطر. رئاسة الجمهورية معطلة رغم مرور وقت طويل على وصول العماد ميشال سليمان إلى بعبدا. والمجلس النيابي المجدّد له من دون عمل أو فعالية، والحكومة غير قابلة للولادة من دون تفاهمات وطنية كبيرة. وإلى جانب اهتراء بقية المؤسسات، تواجه البلاد خطراً إضافياً يتمثل في احتمال قويّ جداً بعدم إجراء الانتخابات البلدية العام المقبل، ما يعني نقل الأزمة برمّتها إلى المؤسسات المحلية، لكي تتراكم مع توتر الشارع نحو انفجار غير معلوم النتائج.
ومع ذلك، يظل الهاجس محصوراً في الملف الحكومي، والسؤال عن الأسباب التي تحول حتى اللحظة دون التوصل إلى تفاهم جدي ومتين، فيما يبدو أن الجميع استهلك نتائج القمة السورية ـــــ السعودية، التي لم تكن تتجاوز الاتفاق على بثّ مناخات إيجابية مساعدة، ما يعيد الملف برمّته إلى الملعب الداخلي، حيث تتحول الأطراف إلى طوائف ومصالح تهدد المواجهة في ما بينها الاستقرار العام في البلاد.

■ التفاهم السعودي ــ السوري؟




منذ انتهاء أعمال القمة في دمشق، لم ينجح السياسيون في لبنان في الحصول على تفاصيل دقيقة أو مفصّلة، ليتبيّن أن الملف بحد ذاته كان نقطة بارزة في جدول الأعمال بين الرئيس بشار الأسد والملك عبد الله، لكنه لم يكن بنداً مفصلاً على الطريقة اللبنانية، ولم يكن بالإمكان تناوله كما يعتقد اللبنانيون. وبالتالي فإن التفاصيل التي غابت عن كثيرين لم تكن موجودة أصلاً.
لكنّ مصدراً سورياً واسع الاطلاع قال إن الأسد وعبد الله انطلقا في مناقشة الملف اللبناني من حيث وصلت إليه الاتصالات الأخيرة بينهما، حين بدا للطرفين أن الظروف لا تسمح بإطلاق مبادرة متكاملة، والسبب الرئيسي الذي فهمه الرئيس السوري أن الرياض ليست في صدد خوض معركة مع الولايات المتحدة ومع عواصم عربية، منها القاهرة، لتثبيت مبادرة كان العمل قد جرى عليها سابقاً، وفشلت بعدما تعذر الحصول على غطاء أميركي عملي.
لذلك، يضيف المصدر، فإن النقطة الرئيسية في تفاهم الأسد وعبد الله هي أنهما ليسا في موقع يتيح إطلاق مبادرة، ما يعني أنهما معنيان بإيجاد الإطار المناسب للمساعدة على إنتاج وضع يتيح قيام حكومة وفاقية في لبنان. لذلك تفاهما على مبدأ «خلق المناخات الإيجابية المساعدة وإجراء الاتصالات اللازمة في هذا الخصوص»، وهو الأمر الذي لا يحتمل تأويلات، ذلك أن القيادة السورية تحدثت بصراحة لافتة أمام السعوديين عن الوضع القائم في لبنان لناحية عدم وجود أي طرف قادر على ممارسة الضغط المطلوب سعودياً على العماد ميشال عون، وقد شرح الأسد ملياً أن العلاقة بين دمشق والعماد عون ليست قديمة كثيراً، وأن دمشق تقدّر للرجل قراره الشجاع بإنهاء الخلاف مع سوريا والسعي إلى بناء علاقات جيدة، كما تقدّر سوريا للعماد عون رفضه تحويل لبنان إلى ساحة عمل ضد سوريا من أي طرف داخلي أو إقليمي أو دولي.
وشرح الأسد فهم سوريا للوقائع اللبنانية التي تمنع أي طرف في المعارضة، وتحديداً حزب الله، من ممارسة الضغط على عون، مع التأكيد مراراً من جانب الأسد أن سوريا تتفهم، كما قوى المعارضة الأخرى في لبنان، مواقف العماد عون ومطالبه، وهي ترى أنه محقّ، بل إنه يستحقّ أكثر مما يعرض عليه. وتالياً، فإنه ليس هناك من مبرر للضغط عليه، كما ليس هناك من آلية للضغط عليه. لكنّ الأسد أكد للملك السعودي أنه سيقوم باتصالات تهدف إلى ترجمة التوافق على إشاعة المناخات الإيجابية، وهو الأمر الذي تعهّد الملك السعودي بتحقيقه من جانبه.

■ الخليلان عند الأسد والحريري عند عبد الله

وترجمة لهذا التفاهم، عاد عبد الله إلى الرياض وأرسل في طلب الحريري، الذي سمع كلاماً واضحاً عن ضرورة المبادرة إلى وضع آلية للتفاهم مع قوى المعارضة مع تشجيع على حوار مباشر وعملي مع العماد عون، وهو الأمر الذي فهمه الحريري على أنه دعوة ضمنية إلى تقديم تنازلات تهدف إلى إقناع عون بالمشاركة في الحكومة، لأنه لا مجال لقيام حكومة وفاقية من دونه. ولما كان من المستحيل قيام حكومة من لون واحد، فقد سمع الحريري كلاماً سعودياً واضحاً عن ضرورة إيجاد الآليات الأفضل لتحقيق النتائج، مع شرح مفصّل عن التعهدات السورية في المساعدة على تأليف الحكومة، وهو ما ترجمه الحريري لحلفاء ومقرّبين بأن الأسد تعهد أمام عبد الله بعدم «عرقلة تأليف الحكومة». كذلك سمع الحريري كلاماً عن أن سوريا لا تريد تعطيل برنامجه أو هي لا تريد إبعاده، بل هي مهتمة بتحسين العلاقات معه، الأمر الذي جعل الحريري يشرح للحلفاء والمقرّبين ما يدعو إلى التوقف عن تحميل سوريا مسؤولية العرقلة، الأمر الذي سبّب إحراجاً مؤقتاً لهؤلاء قبل أن يقرروا تحميل إيران مسؤولية عدم تأليف الحكومة.
وفي دمشق، كان الأسد يستقبل المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله الحاج حسين الخليل والمعاون السياسي للرئيس نبيه بري النائب علي حسن خليل. ويوضح لهما كما فعل لاحقاً مع النائب سليمان فرنجية، حقيقة التفاهم الذي تمّ مع الملك السعودي وحجمه. وبحسب المصادر المطّلعة، فإن الأسد كان واضحاً في التأكيد أنه ليس هناك من مبادرة ولا تفاهم بشأن أي شيء تفصيلي، وأن الأمر يقتصر على إشاعة المناخات الإيجابية. وعند الاستفسار، شجّع الأسد زواره والمتصلين به على مقاربة جديدة من شأنها تسهيل الأمر. لكنّ الأسد عاد وأوضح لاحقاً أنه لم يطلب من المعارصة التنازل، ولا القيام بخطوات تؤثر على موقفها أو موقعها.

■ ترجمة ناقصة أو مشوّهة

وصلت الأنباء سريعاً الى بيروت عن تحولات إيجابية في مواقف السعودية وسوريا. كان الجميع في مرحلة ترقب، لكن أكثر من احتاج إلى فهم حقيقة ما حصل هو الرئيس المكلف والعماد عون. بدا واضحاً أن قمة دمشق نقلت النقاش التفصيلي بشأن الحكومة إلى هذه القناة حصراً، وصارت اللقاءات الأخرى بين الحريري وقيادات حزب الله وأمل وحلفائهما والتشاور مع رئيس الجمهورية، ترتبط حصراً بما يجري بشأنه النقاش بينه وبين عون. كان الحريري يحرص على التدقيق في حجم ونوع الرسالة التى أوصلها السوريون إلى قوى المعارضة. لكن يبدو أنه أخطأ مرة جديدة في التقدير.
تنفس الحريري الصعداء عندما تمت ترتيبات عاجلة وذات مناخات إيجابية للقائه مع النائب سليمان فرنجية. كان يستمع إليه بطريقة مختلفة. كان يريد أن يختار من بين كلماته الرسالة السورية. الإشارات الإيجابية لم تكن كافية له في هذه المرحلة. تحدث عن أهمية التنازلات المتبادلة. وفي وقت لاحق سارع فرنجية إلى وضع الأسد في أجواء الاتصالات مع الحريري، ثم أعلن في بعدها استعداده للتنازل عن الحقيبة التي كان يطالب بها في سياق تسهيل مهمة الرئيس المكلف. تلقّف الحريري الأمر على أنه الرسالة السورية الأبرز، لكنه وضع هدية فرنجية في جيبه وانتظر بقية الأمر على أساس أن يأتيه من عون. لكنّ الجنرال الذي يظهر مرة بعد مرة كفاءة خاصة في إدارة التفاوض وفي فهم قدرات الخصم ومناوراته، لم يتصرف على الأساس الذي افترضه الحريري. كان يحاول أن يشرح للجميع، بما في ذلك للحريري، أنه خارج دائرة الضغط وأن أيّ إنسان لا يقدر على أن يجبره على التنازل عندما يكون المنطق قائماً والحقوق واضحة. لكن ما يجري حتى اللحظة لا يجبره البتة على أي تنازل إضافي. وحاول عون مراراً وبلغات مختلفة إفهام الحريري أنه من غير المصيب له انتظار تحولات بناءً على تقديرات خاطئة.
لكن عون لم يكن مرتاحاً البتة إلى خطوة فرنجية، وهو عندما التقى قيادات حزب الله وأمل العائدة من دمشق، لم يكن مقتنعاً بالطريقة التي ترجمت إليه نتائج القمة السورية ـــــ السعودية. وعون الذي بات خبيراً بالجميع، اختار طريقته للحصول على توضيحات. وكما كان يتوقع، وصله ما يفيده بأن التفاهم السعودي ـــــ السوري لا يلزم أحداً بالتنازل عن حقوق، وأن الأمر متعلق بالطريقة التي يراها العماد عون مناسبة لتسهيل تأليف الحكومة، ما ترجمه عون انفتاحاً على مناقشة أي أفكار تقوم على خلط الأوراق من جديد والاتجاه إلى توزيع جديد للحقائب الوزارية، لكنه ظل ثابتاً ولم يغش الحريري حين شرح له الإطار الذي يريده عون لكتلته داخل الحكومة، الذي يسمّيه الحد الأدنى المقبول من التمثيل.
فرنجية شعر بأن ثمة من فهمه خطأً، فسارع إلى عون ليشرح له أن ما قدّمه من تنازل ليس لمصلحة الحريري، بل هو فعل ذلك عند الحريري لمصلحة عون. لكنّ الجنرال الذي يكنّ مودّة خاصة للزعيم الشمالي الشاب، ويحترم فيه صدقيّته وجرأته ووضوحه قال له على طريقته: أنا لا أمانع القيام بخطوة في إطار التفاوض، ولكن ليس بهذه الطريقة، ثم لماذا علينا أن نعطيه هذه الورقة مجاناً؟
فهم فرنجية أن خللاً ما قد حصل، وفهم مندوبو حزب الله وأمل أن عون حصل على توضيحات سورية مباشرة، وبالتالي عاش الحريري مناخات جديدة. أدرك حجم التنازل السوري، ولمس استحالة أن ينتقل حزب الله وأمل إلى موقع الضاغط على عون، فكان عليه مواجهة الأمر بنفسه. وعندها قرر التقدم بعرض عدّه عملياً ومنصفاً لعون وله ولا يحرجه مع حلفائه.

■ تعديل الموقف الأميركي

عندما زار الحريري عون في الرابية وانتقل من عنده إلى منزل نائب رئيس المجلس فريد مكاري لمشاورة جعجع، كان الجميع ينتظر طريقة تصرّف الحريري. هل سيتحمل مسؤولية ما وعد به الجنرال،
عون استوضح دمشق بعدما وصلت إليه رسائل ناقصة أو غير دقيقة… ثم ثبت موقفه

السعودية طلبت من الحريري مفاوضة عون مباشرة وتسهيل قيام الحكومة وأبلغته إيجابية الموقف السوري منه

أم سيعود إلى منطق «التسليم بمطالب الحلفاء»؟ لكنّ الحريري أجاب سريعاً عن هذه النقطة، إذ أبلغ عون بأنه ليس هناك من مجال للتنازل عن حقيبة العدلية، وأن النقاش في تولّي جبران باسيل حقيبة الاتصالات لم يبتّ بعد. عندها أدرك الجنرال أن الأمور تعود إلى ما كانت عليه، لكنه كما تعهد لنفسه وكما طلب من نوابه وقيادات التيار وكما نصح قوى المعارضة، رفض التصرف بردة فعل، بل اكتفى بالقول إنه ينتظر عرضاً جديداً من الحريري، وأصرّ على القول إن إمكان التفاهم قائم، لكن المسألة تحتاج إلى قرار جريء من الحريري.
كان الأميركيون قد قرّروا التسليم بصيغة المشاركة الكاملة. فهموا رسالة وليد جنبلاط بعد اجتماعه الثاني مع السيد حسن نصر الله ونتائج اجتماعه مع النائب أسعد حردان في منزل مساعد مدير الاستخبارات العقيد عباس إبراهيم ثم مصالحة صوفر، ثم كلامه للحريري عن ضرورة صياغة تفاهم مباشر مع عون، ورفضه التنازل عن وزارة الأشغال تشجيعاً لإعادة الاتصالات إلى العماد عون، كذلك شعرت الولايات المتحدة بأن الحريري بدأ يخسر من عملية التأخير، وأن جنبلاط يمكن أن يقلب الطاولة، وأن ميشال سليمان كرر للحريري وللآخرين، بما في ذلك الأميركيون، أنه لن يوقّع على مرسوم حكومة لا تشارك المعارضة فيها. وبالتالي لم يعد هناك إمكان لقيام حكومة من لون واحد. ولكي لا تظهر واشنطن وحدها معارضة، بعد المناخات الإيجابية التي أشاعتها القمة السعودية ـــــ السورية، سارعت إلى إطلاق موقف اقتصر حتى الآن على الإقرار بصيغة حكومة الوفاق الوطني، الأمر الذي تولّى جيفري فيلتمان ترجمته من خلال موقف علني ومن خلال اتصالات شملت جميع الأطراف الحليفة له في لبنان، إضافة إلى اتصال خاص مع جنبلاط. وقال فيلتمان للجميع إن واشنطن ليست ضد صيغة الـ 15 ـــــ 10 ـــــ 5، الأمر الذي انعكس سلباً على حركة السفيرة الأميركية في بيروت ميشيل سيسون التي بدت أنها خارج دائرة القرار. وهي ردّت بأن أحجمت عن بعض الاتصالات واللقاءات لأنها لا تملك التبرير للموقف الجديد، وهي التي تولّت خلال فترة طويلة تحريض الجميع على عدم السير في حكومة توافقية، بل بحكومة تشارك فيها المعارضة لكن من موقع الأقلية.
فجأة عاد الجميع إلى المربع الأول الذي يفرض آلية تفاوض مباشرة بين الحريري وعون. استهلك الجميع المناورات التي رافقت القمة السعودية ـــــ السورية، وكذلك مناورات الجولات التفاوضية الأولى. ولأن الحريري ليس في مناخ قرار كبير، عاد إلى لعبة الاقتراحات التي لا يزال الجميع يدور في حلقتها حتى اللحظة