“الفضاء العربي والفضاء العربي الإقليمي الإسلامي” واقعيان ؟ – سركيس نعوم – النهار

قالت السيدة بثينة شعبان المستشارة السياسية والإعلامية للرئيس السوري بشار الاسد بعد استقباله العاهل السعودي عبدالله بن عبد العزيز واجرائه معه  جولة محادثات ثنائية – قالت للصحافيين المحتشدين: "ان العلاقات السعودية – السورية تسير في طريق ممتاز. هناك نية لخلق فضاء وجو عربي يستفيد من الطاقات العربية لرفع كلمة العرب على الساحتين الاقليمية والدولية"، واضافت: "تحاول سوريا خلق فضاء اقليمي عربي واسلامي يستطيع مواجهة التحديات الكبيرة التي تعترض الأمتين العربية والاسلامية".

بهذه العبارة اكدت المسؤولة السورية الهدفين اللذين تسعى سوريا الى تحقيقهما منذ مدة واللذين من شأنهما تمكينها من استعادة دور اقليمي وربما ابعد من اقليمي واسع وإن في اطار عربي عام، وتمكينها في الوقت نفسه من طي صفحة الانكفاء والعزلة التي فرضتها عليها  التطورات في المنطقة منذ غزو العراق عام 2003 وابرزها على الاطلاق تلك التي حصلت في لبنان والتي اصابتها بالكثير من الجروح التي قد لا تكون التأمت كلها. الاول، اقامة نوع من تكتل او محور او تحالف او تعاون بين اهم ثلاث دول عربية، مع الاحترام الكامل للدول العربية الاخرى، واكثرها فاعلية سابقاً وحاضراً وربما لاحقاً هي مصر والمملكة العربية السعودية وسوريا. اما الهدف من تكتل كهذا  فهو مزيج من العام والخاص. اما العام فهو استعادة تضامن عربي فقد من زمان او ربما تأسيس تضامن عربي فعلي لم ينوجد يوماً بفتح الطريق امام ايجاد حلول للخلافات العربية – العربية ويساعد على مواجهة العالم سواء بالحوار او بغيره اذا تيسرت الظروف من اجل رفع الظلم اللاحق بالعرب اجمعين وخصوصاً من اسرائيل وداعميها الكبار في المجتمع الدولي ومن اجل اشاعة استقرار في العالم العربي وخصوصاً في الدول التي تحولت بؤراً لكل انواع الارهاب في العالم او ساحات لصراع العرب في ما بينهم كما بينهم وآخرين. ومن هذه الساحات والبؤر لبنان. واما الخاص فهو افادة كل من الأنظمة الحاكمة الدول الثلاث المذكورة من التكتل لتمتين اوضاعه الداخلية ولتأكيد استمراره من دون اي تحديات، وهو ايضاً مساعدة هذه الانظمة في حل مشكلاتها مع الخارج وهي كثيرة. فسوريا قد تضطلع بدور في تبديد خوف السعودية من ايران القادرة على خربطة استقرارها او استقرار مناطق معينة فيها وفي اقناع ايران بالتخلي عن كل نشاط يؤذي مباشرة او مداورة مصر. والسعودية يمكن ان تساعد سوريا في اميركا، علماً انها قد لا تحتاج إلى مساعدة هناك. ومصر يمكن ان تساعد سوريا لاستعادة ارضها المحتلة من اسرائيل، علماً انها تملك وسائل اخرى لمساعدتها على انجاز هذا الأمر.
هل الهدفان اللذان تحدثت عنهما المستشارة السياسية والاعلامية للرئيس السوري بعد بدء العاهل السعودي محادثاته في دمشق قابلان للتحقيق؟




هذا موضوع دقيق ومتشعّب، تجيب مصادر ديبلوماسية مطلعة عربية واجنبية، ولذلك لا يمكن اختصار الجواب عنه بنعم او بلا. فسوريا ستستمر في مساعي استعادة مصر الى التحالف او التعاون الثلاثي المشار اليه اعلاه. لكن لا شيء يضمن في المرحلة الراهنة نجاح مساعيها وان ساعدتها فيها العربية السعودية. علما ان مساعدة كهذه قد لا تكون مضمونة على الأقل في المرحلة الراهنة لان دمشق والرياض لا تزالان في اول مسيرة استعادة "الاخوة" والتعاون والصداقة بعد سنوات من الشكوك والخيبات والخلافات سواء في لبنان او خارجه. فضلاً عن ان مصر تعرف ان تجاوبها السريع مع دعوات سوريا بانضمام رئيسها الى القمة الثنائية بينها وبين السعودية او تجاوبها المتدرِّج مع هذه الدعوات باستئناف اللقاءات والمشاورات وبالاتفاق على خطوات لحل مشكلات معينة سواء ثنائية او عربية، تعرف ان من شأن ذلك تضخيم حجم الرئيس بشار الاسد على نحو غير مسبوق سواء داخل سوريا او في العالم العربي او في العالم الأوسع. وامر كهذا غير مقبول او بالأحرى غير مرحب به حالياً. وهو قد يصبح موضع قبول او ترحيب اذا قدَّم المقابل الموازي لذلك وعلى اكثر من صعيد. وهذا امر لا يبدو متوقعاً حالياً.

والموقف المصري هذا ليس بعيداً كثيراً من الموقف السعودي رغم الاختلاف الواضح في اسلوب التحرك بين النظامين في مصر والمملكة وبين زعيميهما حسني مبارك وعبدالله بن عبد العزيز. اما موضوع "خلق فضاء اقليمي عربي اسلامي" الذي تحدثت عنه المستشارة برتبة وزير بثينة شعبان فهو طموح كبير جداً وانعكاساته في حال ولادته لا بد ان تكون كبيرة جداً ليس فقط على العالمين العربي والاسلامي بل على العالم كله. لكن العقبات امامه لا تزال كبيرة. صحيح ان العلاقة بين سوريا وتركيا صارت "عظيمة" لكن علاقة تركيا بمصر جيدة او ربما عادية وكذلك الامر مع السعودية لاعتبارات عدة قد يكون ابرزها خشية الدولتين العربيتين "المؤهلتين" للتنافس على قيادة العرب او الاشتراك في قيادتهم من الدور الاقليمي الواسع الذي قد تستحقه تركيا في مستقبل غير بعيد والذي قد يوافق عليه كبار العالم وفي مقدمهم اميركا وكبار المنطقة من مسلمين غير عرب مثل ايران فضلاً عن اسرائيل. فضلاً عن ان العلاقة بين ايران من جهة والسعودية ومصر من جهة اخرى ليست جيدة رغم ان الحروب المباشرة بين الفريقين لم تنشب بعد، علماً ان الحروب غير المباشرة قد بدأت من زمان وفي اكثر من ساحة ابرزها ثلاث: لبنان والعراق واليمن. ولا شيء يمنع ان تمتد هذه الحرب بحيث تشمل وإن جزئياً باكستان المهمة للسعودية وربما ايضاً افغانستان.

الى ذلك فان الموضوع الايراني او المعضلة الايرانية هي اليوم على مفترق طرق. فإما ان تسلك طريق الحل مع العالم بعد اجتماع جنيف الأخير، وذلك ممكن اذا كانت نية قادة ايران ايجاد حل يحفظ مصالح الجميع صادقة واذا كان ذهابها الى جنيف لم يكن للمناورة، وإما ان تواصل طريق المواجهة عبر العقوبات المشددة وحتى عبر العمل العسكري الذي قد تنفذه اسرائيل ضدها، واحتمالات المسلكين المذكورين متساوية. والوقت لمعرفة اي منها سيسود ليس طويلا. فالربيع المقبل قد يكون موعد "العسكر" اذا فشلت الديبلوماسية. واسرائيل قادرة في رأي اميركا على تنفيذ ضربة ناجحة من دون مساعدتها وتالياً من دون اخذ رأيها او موافقتها. وقد تكون بدأت تقديم لائحة بما تحتاج اليه في حربها على ايران الى واشنطن. لكن ذلك لا يعني في رأي واشنطن النجاح في تدمير المنشآت النووية الايرانية. بل يعني تأخير البرنامج النووي لايران من سنة الى ثلاث سنوات.