«التفاهم» في مواجهة «طعنة سكين» – عماد مرمل – السفير

فشلت مرة أخرى محاولة إعادة بوسطة عين الرمانة الى الخدمة برغم أن هناك من أبدى استعدادا لقيادتها في أزقة الفتنة مجددا.
لم تجد البوسطة ما يكفي من الوقود السياسي لإدارة محركاتها، بعدما سارع العماد ميشال عون الى احتواء جريمة قتل المواطن جورج ابو ماضي، واضعاً إياها في إطارها الجنائي، ولاقاه في هذا الموقف حزب الله وحركة أمل، ما حدّ كثيرا من إمكانيات الاستثمار السياسي على دم الضحية، الذي كانت بوادره قد بدأت تلوح، حتى قبل معرفة تفاصيل الجريمة وكيفية وقوعها.

ولعل انتماء الضحية الى التيار الوطني الحر ساعد في «تلطيف» حكم القدر وأبقى المبادرة في يد التيار الذي وجد ذاته من جديد أمام اختبار ضبط النفس وحصر الخسائر، وهو اختبار لا يخلو من الصعوبة بفعل حملة التجييش المضادة التي يقودها خصوم العماد عون في مثل هذه المناسبات، والتي تداعب الأوتار الحساسة لدى القواعد الشعبية المسيحية، من أجل استقطابها نحو شعارات جاهزة ومعلبة، وبالتالي كسب ما أمكن من النقاط في المعركة المفتوحة على قيادة الشارع المسيحي وزعامته.
وما زاد منسوب الإحراج هذه المرة في بعض أوساط التيار أن أبو ماضي سقط بضربة سكين يُفترض أنها تشكل ـ من حيث لونها الطائفي والسياسي الإجمالي ـ سلاحاً حليفاً له، ينبغي ألا يغدره بطعنة في الظهر. وربما كانت هذه المفارقة سبباً كافياً لدى البعض لإثارة تساؤلات حول جدوى التفاهم مع حزب الله «الذي لا يستطيع أن يحمي أحد ناشطي التيار من اعتداء عبثي، مصدره الجغرافي منطقة محسوبة على التفاهم».




وإذا كان هناك من يطرح مثل هذه الأسئلة عن حسن نية، إلا أن الأكيد أن الماكينات السياسية والإعلامية لأكثر من جهة تتعمد إعادة إنتاجها على خلفية أخرى، وفق ما يلائم السوق المشحونة بالانفعالات الطائفية والمذهبية، سعياً الى التوظيف الفوري لأي حادثة قابلة للاستثمار، رغبة في تحقيق «الربح السريع»، فكيف إذا بدا للبعض أن الفرصة متاحة للتشويش على «التفاهم» بين التيار الحر وحزب الله، وهو «التفاهم» المطلوب «حياً أو ميتاً» من قبل أوساط داخلية وخارجية، وجدت فيه عبئاً على مصالحها.

وهنا، يُسجل للعماد ميشال عون أنه قطع الطريق سريعا ـ من خلال كلامه الأخير ـ على محاولة تضخيم حادثة عين الرمانة، وإلباسها لبوساً سياسياً، بهدف التصويب على تحالفه مع حزب الله والترويج لمقولة عجز وثيقة التفاهم عن حماية المسحيين، علماً بأن موقف الجنرال قد لا يبدو شعبياً في مثل هذه الظروف التي تتغلب فيها الانفعالات على ما عداها. ولم يتردد عون في إمساك هاتفه ومحادثة والد الفقيد قائلا له: لقد أراد البعض أن يكون دم ابنك رمزاً للفتنة ولكنه تحول الى شهيد المحافظة على الوفاق والاستقرار في لبنان.
وأمام انكشاف الحجم الفردي للحادثة، لوحظ أن هامش استخدامها للمناورة الداخلية راح يتقلص تدريجياً، وهذا ما ظهر من خلال موقف رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع الذي اعتبر أن لا أبعاد سياسية لما جرى، بينما «تورط» حزب الكتائب في مواقف تصعيدية، ناتجة من مسارعة النائب سامي الجميل الى النزول للشارع بثياب «ميدانية» ومن ثم تعبئة هذا الشارع بطروحات مرتفعة السقف، ذهبت بعيداً في الاستنتاجات السياسية، بما لا يتناسب وحراجة اللحظة المتوترة ومتطلبات سحب فتيلها.
ويبقى السؤال: كيف خرجت «وثيقة التفاهم» من قطوع عين الرمانة.. وهل تجاوزته بنجاح أم أصيبت بخدوش؟

إذا كان معارضو الوثيقة ينظرون الى الجانب الفارغ من الكوب ويرون أن «التفاهم» أثبت أنه ليس بمقدروه تأمين الحماية المنتظرة منه، حتى لأولئك الذين يسري في عروقهم دم برتقالي كالفقيد أبو ماضي، إلا أن مؤيديها يفضلون النظر الى الجانب المليء من الكوب معتبرين انه لولا «التفاهم» لكانت حادثة فردية كالتي وقعت في عين الرمانة قد تطورت الى مشروع حرب أهلية، وخصوصاً في ظل المناخ المحتقن الذي يسود البلد.
بهذا المعنى، فإن الثقة التي أرساها التحالف بين التيار الوطني الحر وحزب الله نجحت في إبقاء الجريمة ضمن إطارها الضيق والجنائي وحالت دون تعميم الأحكام، وهذا دليل إضافي على فعالية «العلاقة المميزة» العابرة لخطوط التماس، التي نسجها السيد حسن نصر الله والعماد عون، كما يقول أنصارهما.

ويلفت «البرتقاليون» الانتباه الى أن التوظيف السياسي للجريمة من شأنه عمليا أن يؤدي الى التغطية على الجاني وتضييع هويته، في حين أن إعطاءها الطابع الفردي الذي تستحقه يساعد على تحديد المرتكب ومعاقبته، من دون منحه أي حصانة سياسية أو طائفية، ملاحظين أن جزءاً كبيراً من الجمهور المسيحي أظهر أنه يرفض الانجرار مرة أخرى الى مستنقع الحرب الأهلية، برغم المرارة الشديدة التي شعر بها بعد مقتل أبو ماضي، ومحاولات التلاعب بعواطفه وتأجيجها.

ويعتقد «البرتقاليون» أن هيبة الدولة كانت الأكثر تضرراً مما حصل، لأن القوى الأمنية هي المعنية بالدرجة الأولى بالحفاظ على السلم الأهلي، لا سيما في نقطة معروفة بحساسيتها المفرطة، كمنطقة عين الرمانة. ولئن كان هؤلاء لا يعفون الجيش اللبناني من المسؤولية إلا أنهم يعتبرون أن تبعات التقصير تقع بنسبة أكبر على عاتق قوى الأمن الداخلي، كونها «صاحبة الاختصاص» في منع وقوع الحوادث الفردية واتخاذ التدابير الاستباقية الكفيلة بتفاديها، وخصوصا في أماكن تتكرر فيها عادة الإشكالات.
ويتساءل أحد نواب تكتل التغيير والإصلاح في هذا الإطار: أين «فرع المعلومات»، ولماذا لا يمارس دوره في تحقيق الأمن الوقائي الذي يستبق وقوع الجريمة؟ ويخلص الى المطالبة بمحاسبة المسؤولين الأمنيين المقصرين، أياً تكن مواقعهم.

والى جانب المسؤولية الرسمية في ضبط الأرض، تُطرح في أوساط مقربة من المعارضة أسئلة عن الدور الذي يجب أن يؤديه أيضا حزب الله وحركة أمل، داخل بيئتهما، في منع انفلاش الظواهر المتفلتة التي وإن تكن ليست محسوبة تنظيميا على الفريقين، إلا أنها لا تعفيهما من واجب بذل أقصى الجهد الممكن للحؤول دون أن تفلت الأمور من سيطرتهما، حتى لو تطلب ذلك بالتعاون مع الجيش والقوى الأمنية تلقين الشبان غير المنضبطين درساً يكون عبرة لكل من يحاول أن يحذو حذوهم.

وما يجدر أخذه بعين الاعتبار ـ حسب الأوساط ـ أن الحوادث المتكررة، ولو كانت فردية، ترهق حليف حزب الله، العماد عون، وتثقل كاهله بأعباء إضافية، ما يستدعي تحركاً سريعاً لوقف الخسائر الجانبية والامتناع عن تقديم الهدايا المجانية الى خصوم الجنرال على الساحة المسيحية.