الحريري ـ فرنجية: هل تنجح مغامرة التعايش؟ – عماد مرمل – السفير

بدا رئيس تيار المردة الوزير السابق سليمان فرنجية صادقا في عواطفه وانطباعاته، وهو يتكلم عن البدايات التأسيسية لعلاقته مع رئيس تيار المستقبل سعد الحريري بعد لقائه معه في بيت الوسط، حيث تشاركا للمرة الاولى منذ دخول الحريري الى المعترك السياسي في الخبز والملح، لتتحول بذلك الدعوى القضائية السابقة الى دعوة للغداء.
ومن المعروف ان فرنجية لا يتقن فن المجاملات، بل لعل البعض يأخذ عليه انه واضح وصريح، أكثر من اللزوم، في خصوماته كما في صداقاته، وبالتالي فهو ما كان ليصف غداء التعارف مع الحريري بـ«العائلي والودي»، لو لم يكن مقتنعا بما يقوله ومتحسسا به.

وعليه، يمكن القول ان الرجلين يخوضان حاليا تجربة اكتشاف كل منهما للآخر بعد سنوات من الخصومة الحادة التي اتخذت شكل العداء في بعض المراحل، وخصوصا في أعقاب اغتيال الرئيس رفيق الحريري. يومها دفع فرنجية ثمن وجوده في وزارة الداخلية، وتعرض لوابل من الاتهامات السياسية، واحيانا الجنائية، التي حمّلته «مسؤولية ما» عن جريمة الاغتيال، بعدما أُدرج اسمه ضمن بنك الاهداف المطلوب تصفيتها سياسيا.
ومنذ ذلك الحين، تغذي «الافكار المسبقة» و«الاحكام القاسية» القطيعة بين بنشعي وقريطم، فكبرت الهوة والمسافة مع الوقت، واتسعت أزمة الثقة الى ان بلغت حد الشرخ الشخصي وتبادل الدعاوى القضائية، على إيقاع معارك سياسية وانتخابية طاحنة، استخدمت فيها كل أنواع الاسلحة، لكنها ساهمت أيضا في تكريس حقائق جوهرية سيضطر الحريري وفرنجية في ما بعد الى الاقرار بها، وفي طليعتها ان كليهما رقم ثابت في المعادلة اللبنانية، حتى لو تواجها في جدول الضرب او القسمة.
لاحقا، حصل التحول مع تكليف سعد الحريري بتشكيل الحكومة. في تلك اللحظة، قرر الحريري ان يعطي إشارة رمزية الى استعداده للعمل بمقتضيات الدور الجديد والتصرف كرجل دولة، فأسقط الدعوى التي كان قد رفعها على فرنجية بتهمة القدح والذم، ثم التقى الرجلان للمرة الاولى خلال استشارات التكليف الاول، تلاه لقاء آخر اكثر عمقا بعد التكليف الثاني، وولدت فيه فكرة غداء بيت الوسط.




لاحظ كل من الحريري وفرنجية في قرارة نفسه، خلال هذين الاجتماعين، انه كان لفترة طويلة ضحية بعض المبالغات والاوهام التي كانت «تشيطن» صورة الآخر وتحيله الى شر مطلق. صحيح ان الكثير يفرّق بين الرجلين في السياسة وربما ايضا في الشخصية، لكن اتضح لهما ان إمكانية تنظيم الخلاف والاختلاف متاحة الى حد كبير، بقليل من الجهد والنية الحسنة.
هذا الاستنتاج تكرس حول مأدبة الغداء التي جمعت فرنجية والحريري وجها لوجه. اتسمت تلك الجلسة بالمصارحة السياسية والوجدانية، وسرد خلالها رئيس تيار المردة روايته لظروف جريمة اغتيال الرئيس الحريري، التي حصلت إبان توليه وزارة الداخلية. يدرك فرنجية حساسية هذا الملف بالنسبة الى سعد الحريري، ولذلك قرر ان يفلش اوراقه امامه، شارحا له تفاصيل ما قام به في تلك المرحلة، ومستخرجا الخلاصات السياسية للجريمة واستهدافاتها الاستراتيجية. تشعب النقاش وامتد في اتجاهات متعددة، بما أتاح لكل من الرجلين ان يفهم الآخر بشكل افضل، من دون ان يتفق معه بالضرورة.

ولعل فرنجية يشعر هذه الايام بأن تجربة علاقته مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري تعيد انتاج ذاتها. في البداية، لم تسر الكيمياء بين الرجلين اللذين اصطدما بعنف سياسيا، وسرعان ما أصبح فرنجية وزيرا مشاكسا في حكومات رفيق الحريري. في مرحلة لاحقة، أدرك الاثنان استحالة ان يتجاوز أحدهما الآخر او ان يتجاهله، اولا لأن التوازنات اللبنانية لا تحتمل العبث بها، وثانيا لأن المايسترو السوري لن يسمح بتجاوز الخطوط الحمر للعبة الاحجام.

تحت سقف الواقعية السياسية، التقى فرنجية ورفيق الحريري، وسرعان ما تطور التعايش القسري الى صداقة فعلية، كان وعاؤها يتسع للخلافات والتناقضات الموضوعية القائمة بين الرجلين. وذات يوم سئل الحريري عمن هم أصدقاؤه، فأجاب: نبيه بري ووليد جنبلاط… وسليمان فرنجية.
وهكذا، شكل اغتيال الحريري في 14 شباط 2005 صدمة حقيقية لسليمان فرنجية، برغم ان العلاقة السياسية لم تكن في أفضل احوالها عشية جريمة الاغتيال. وبعد أشهر قليلة خسر فرنجية الانتخابات النيابية، وظن خصومه ان بيته السياسي قد أقفل بـ«الشمع الاحمر».
لكن سرعان ما اكتشف فرنجية قبل سواه ان هزيمته في الانتخابات تحولت الى ولادة سياسية جديدة له. أعاد فرنجية تفعيل تياره وحضوره واكتسب تعاطفا شعبيا لم يكن متوافرا له في عز أيامه في السلطة، بحيث أدى خلال السنوات الاربع الماضية دورا اساسيا في صفوف المعارضة، سرعان ما قطف ثماره في الانتخابات الاخيرة التي فاز فيها بكتلة نيابية.

على خط مواز، كان سعد الحريري يطور تجربته السياسية، فنجح في انتخابات 2009 في إثبات زعامته الفعلية للطائفة السنية، بعدما كانت قد أهديت له قبل أربع سنوات بفعل قوة الدفع التلقائية التي تأتت عن اغتيال والده. وعلى صهوة حصان الاكثرية البرلمانية التي يقودها، وصل الحريري الى عتبة السرايا مع تكليفه تشكيل الحكومة، في انتظار ان يدخلها رئيسا لمجلس الوزراء بعد انجاز عملية التأليف، ليصبح امام فرصة الارتقاء من رتبة زعيم تيار سياسي الى رتبة رجل الدولة، مع ما يتطلبه ذلك من مرونة في السلوك.

إزاء هذه الحقائق الراسخة، وجد فرنجية والحريري ان لا مفر من تبادل الاعتراف بالدور والحجم، على قاعدة ان مواصلة سياسة النعامة وإخفاء الرأس في الرمل إنما تحجب رؤية الواقع ولا تلغيه بطبيعة الحال. ولعل المناخ الداخلي والاقليمي السائد حاليا ساعد في استئناف «العلاقات الدبلوماسية» بين تياري المستقبل والمردة في هذا التوقيت بالذات، ولا يمكن في هذا المجال إغفال تأثر لبنان وقواه السياسية بـ«إشعاع» القمة السورية ـ السعودية ومفاعيلها الايجابية، فكيف إذا كان سليمان فرنجية «صديقا شخصيا» للرئيس بشار الاسد، والرئيس سعد الحريري «حليفا مميزا» للملك عبد الله.

وتفيد المعطيات، تأسيسا على كل ما سبق، ان فرنجية يريد ان يعطي كل الفرص للصفحة الجديدة التي فتحها مع سعد الحريري، بما يمثله من حيثية سنية وسياسية لا بد من محاورتها، وهو ربما كان يراهن على ان يحمل المستقبل نموا إضافيا في قامة الحريري، تتيح لها ان تلامس قامة والده، إذا نجح في الاختبارات الصعبة التي تنتظره في الطريق.
ومن الواضح ان الحريري بات يدرك، من جهته، ان التواصل مع فرنجية أمر حتمي لاعتبارات عدة، فهو على المستوى المسيحي قطب بارز يحمل ورقة مكشوفة هي تمثيله للشمال وأخرى مستورة يصل مداها الى جبل لبنان، وعلى المستوى الوطني يتمتع بعلاقة مميزة مع حزب الله، وعلى المستوى الاقليمي يربطه تحالف استراتيجي مع الرئيس السوري. وبالتالي، فإن الانفتاح على فرنجية يعني إصابة أكثر من عصفور بحجر واحد.

أيا يكن الامر، تبقَ العلاقة ـ الجنين بين سليمان فرنجية وسعد الحريري جديرة بالمتابعة لاكتشاف ما إذا كانت قابلة للحياة، وما إذا كان طرفاها يستطيعان تقديم نموذج للتنوع الصحي الذي يسمح للهواجس المتبادلة بأن تتنفس في الهواء الطلق، بدلا من ان تتحول الى قنابل موقوتة في زوايا العزلة والقطيعة